الرئيسية / ثقافة عامة / صفحات تربوية / قل سيروا في الأرض فانظروا

قل سيروا في الأرض فانظروا

لماذا ألح الله على الارتحال ؟
ما اليقظة القلبية أو خاصية التحرر إلا تنصل وفرار من قبضتي الإلف والعادات والركون في مستنقع مظلم, مكفهر, تستهويه البوم, كأنه كهف وضع على هامش الزمان والمكان, لما حاد عن نغمة الكون الدائرة في فلك طاعة الله والاستجابة لأمره.

خاصية الانعتاق, والخروج من أحضان الظلم والظلام إلى تحرر الإرادة إلى حيث يدرك المرء أن الله جعل لكل شيء قدرا, وأن كل شيء خلقه الله بقدر… وأنه لا فاعل في الوجود حقيقة إلا الله…خروج وسير و انعتاق وتحرر, أو ركون وركود وخلود إلى الأرض, والماء الراكد لا يصلح للوضوء.

مزية السير في الأرض لا تعدوها مزية إذ تمكن من :

1 – ” تبديل البيئة”,

2 – “حياة العقول والقلوب”

ولو كانت هذه المزية الأخيرة لوحدها لوجب أن نضرب في الأرض ونمتطي صهوة جوادها لجودها.

هل تدبر الإنسان لماذا جمع الله في كتابه العزيز سبعة أوامر بالسير في الأرض, ثم استنكر علينا سبع مرات قعودنا عن السير ؟

{ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين}[آل عمران : 137]

{ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [ الأنعام : 11]

{ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [ النحل : 36]

{ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين} [ النمل : 69]

{ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} [ العنكبوت : 20]

{ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين}[ الروم : 42]

{ وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير, سيروا فيها ليالي وأياما آمنين}[ سبأ : 18]

بعد هذه الأوامر السبعة بالسير في الأرض يستنكر الله جل جلاله علينا قعودنا وتخاذلنا عن الاستجابة لأمره في سبع صيغ متشابهات, شديدة على النفس.

أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون[يوسف : 109]

أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ؟[الحج : 46]

أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءت رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون [الروم : 9-10]

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا[ فاطر : 44]

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وءاثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب.[ غافر : 21-22]

أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون.[ غافر : 82 ]

أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم و للكافرين أمثالها ذلك بأن الله مولى الذين ءامنوا وأن الكافرين لا مولى لهم[محمدr:10]

في كل الآيات باستثناء آية الأنعام أمر الله بالنظر عقب السير في الأرض. نظر يأخذ العبرة من السابقين ويعبرها بما كان مصير المكذبين عبرة تلو أخرى.

وتأتي آيات الأنعام داعية إلى استقراء أحوال المكذبين بالضرب في الأرض وإضافة نموذج لآخر لاستخلاص العبر والعظات؛ لكون الاستقراء التام يفيد اليقين المطلق.

يقين يذيب الشك كله ويحسم الأمر حسما. يقين يرفعك عن الأوهام والترهات والخرافات إلى التصديق بما رأت العين, عين اليقين وحق اليقين, حتى لا يبقى للباطل منزع.

إن الباطل كان زهوقا[ الإسراء : 81]

تصفح الآيات واستخلاص العبر, واستنتاج النتائج : عمليات ذهنية للتدبر والتذكر والتفكر تنتج حياة القلب.

أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها[ الحج : 46]

وكأي من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون [ يوسف : 105]

السعيد من اتعظ بغيره :

خسر الغافلون واستخلصوا العبر, وندموا وما نفعهم ندم, لكنهم جعلوا عبرة لمن بعدهم وآية للغافلين. قالوا وهم يعضون أيديهم ندما وحسرة :

لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير[ الملك :10]

ترى أتراهم اليوم صما حمقا ؟ كلا بل إذا ما سمعوا رشدا وإرشادا :

جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم و أصروا واستكبروا استكبارا[ نوح : 7]

سمعوه وما صغوا إلى رشد, ولا عقلوه. لهذا نهى الله المؤمنين ألا يكونوا أمثالهم, وأمرهم بالاستجابة لأمره لمجرد النداء :

يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون[ الأنفال : 24]

ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون[ الأنفال : 21]

بينما مدح الله أولي الألباب الذين يتفكرون في ملكوت السماوات و الأرض فيقودهم تفكيرهم إلى تسبيح الله و تعظيمه و إدراك الغاية من وجودهم في هذه الحياة الدنيا, فيستجيرون ربهم من خزي يوم الحساب و من نار جهنم.

إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم و يتفكرون في خلق السماوات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته و ما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا و كفر عنا سيئاتنا و توفنا مع الأبرار ربنا ءاتنا ما وعدتنا على رسلك و لا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.[آل عمران : 190-194]

ذكر و فكر يقودان إلى إدراك الحقائق العلمية : حقيقة الوجود و حقيقة البعث و حقيقة الحشر و حقيقة الجزاء إما جنة و إما نارا و فضلا عما وقف عندها المرء من حقائق يزداد العبد معرفة بربه :

إنك لا تخلف الميعاد [ آل عمران : 194 ]

ذكر و فكر يصحح بهما المرء مساره لينتقل من زمان الغفلة و التيه إلى تسابق الخيرات في دنيا البلاء بالخير و الشر فتنة, استعدادا للقاء ربه و للفوز برضاه و النجاة من سخطه يوم يكون الناس فريقا في الجنة و فريقا في السعير

اقرأ كذلك

سلسلة حديث الروح 1

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ [91]} الأنبياء) هنا يتبين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fourteen − 8 =