النظرة العميقة لأفعال الله

الضابط الأول : ألا له الخلق والأمر
يبين البلاغيون بأن الخبر إذا تقدم عن مبتدئه دل على الاختصاص، وبهذا يكون الحق سبحانه وتعالى اختص بالخلق والأمر، ترى فما الخلق والأمر ؟

أ- ألا لـه الـخـلـق :

والمراد بالخلق هو كل شيء في هذا الوجود سواء دب على وجه هذه الكوكب أوفي الكواكب الأخر أو في السماوات وما شملته الأفلاك السماوية من نجوم وأراض وسماوات وملائكة وما اشتملت عليه الآخرة من مخلوقات سواء من جنة ونار وقلم وعرش وكرسي، إلى غير ذلك.

واختصاصه سبحانه وتعالى بالخلق تجلى في التحدي الذي رفعه للخلق في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب}ُ[ الحج : 73]

لقد خلق الله كل المخلوقات في هذا الوجود ويسر لها أقواتها فيها. وكرم بني آدم تكريما رفيعا بحيث سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا.

وأخبرنا جل وعلا بأنه خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين وفي ذلك يقول سبحانه :

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} المؤمنون : 12-14.

وأرشد الإنسان إلى سبيل سعادته في الدنيا والآخرة، ولم يتركه سدى، وأرسل إليه الرسل مبشرين أتباعهم بالفوز في الدنيا والآخرة، ومنذرين العصاة من شر عقاب أليم في الآخرة وحياة الشقاء والضنك في الدنيا.

كما بين جل وعلا بأنه خلق الجن من مارج من النار :{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَار}ٍ[ الرحمان : 15 كما خلق الملائكة من نور.
وأوضح الهدف من الخلق بقوله :{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات : 56]

ب- ألا له الأمر :

ما خلق الله الخلق عبثا، وما كان سبحانه من اللاعبين حتى يترك الناس سدى ؛ إنما خلق الخلق وألهم كل مخلوق أمره.
فرب معترض نسأله : عمن ألهم وعلم الصبي التقاط ثدي أمه ؟ ومن ألهم النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرش الإنسان ؟ ومن ألهم كل ذكر معاشرة أنثاه لتستمر الحياة ؟

لقد خلق الله الخلق وأعطى لكل خلق أمره، فخلق الإنسان وجعل أجل أعماله تسابق الخيرات في دنيا البلاء بالخير والشر فتنة.

وتجلى اختصاصه بالأمر في التحدي الذي رفعه لكل معاند بأن يأتي ولو بسورة من القرآن :

{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين}[ البقرة :23-24 ] {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[ يونس 38]

لكم هام علماء القرآن على وجوههم وهم يبحثون في أقوال ظنوا أنها جاءت تضاهي القرآن دون أن يقفوا وقفة تدبر لقوله { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } فسجاح ومسيلمة كانا قبل أن ينزل هذا التحدي ونفي الفعل ب ” لم ” فهو نفي للفعل في الماضي ونفيه ب ” لن ” فهو نفيه في الاستقبال، الشيء الذي يدعوهم إلى البحث عن وجه الإعجاز في القرآن الكريم.

ما كان القرآن معجزا ببلاغته وإن بهرت بلاغته البلاغاء، وما كان القرآن معجزا بإشاراته العلمية الدقيقة وإن تضمن بصائر علمية تبرهن لكل ذي عينين حجة الله عليه في كل أوان وفقا لوعده : {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فصلت:53 .

وكان عليهم استفسار القرآن عن وجه إعجازه ليجيب :{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِن} [ الشورى :52]

وهكذا نضع اليد على سر من أعظم أسرار القرآن وهو كونه روحا ونورا. والروح من أمر الله. ولا دخل لفقه كنهها إلا به سبحانه.ولما اختص سبحانه وتعالى بالخلق والأمر كانت الروح شأن من شؤون الله دون غيره.

السنن الإلهية ضوابط لكل العلوم والمعارف

من نور القرآن تنجلي الحقائق، وينكشف كل لبس، لكون من ابتغى الهدى خارج تعاليمه وهديه أضله الله ؛ إذ لا فاعل في الوجود حقيقة إلا الله :

فالكون بما فيه ومن فيه خاضع لجلال الله ولأوامره. ومن تجلت له حكمة الحكيم سبحانه وتعالى، في كل فعل كان من أحكم الحكماء، ومن أعلم العلماء بفقهه لأسرار قام عليها الكون.

ولئن جعل الله لكل شيء في هذا الوجود قدرا، ولكل شيء حكمة وغاية ؛ ولكل شيء أجلا، وخلق كل شيء يقدر؛ إذ لا عبثية في نظام الله، فيبقى إدراك حكمة الحكيم في كل شيء، ومن هنا ندرك أغوار مضامين الآية : { قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الملك : 26].

وقد يسر لنا أمر تدبر القرآن، وطلب منا أن نقرأ الآيات القرآنية من زاوية { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق : 1]،

كما طلب منا النظر إلى الآيات الكونية من زاوية { فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[الروم : 50] فرحمة الله لا يمكن إبصارها، ولكن أثارها تبقى بارزة فالأرض باتت خاشعة قاحلة فأنزل الله عليها المطر فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج.

” ومهما يكن من أمر فقد قدم لنا القرآن الكريم نماذج عديدة للمعطيات التاريخية، وحدثنا عن الماضي في جل مساحاته لكي ما يلبث أن يخرج بنا إلى تبيان (الحكمة) من وراء هذه العروض, وإلى بلورة عدد من المبادئ الأساسية في حركة التاريخ البشري مستمدة من صميم التكوين الحدثي لهذه العروض، تلك المبادئ التي سماها (سنناً)، ودعانا أكثر من مرة إلى تأملها واعتماد مدلولاتها في أفعالنا الراهنة، ونزوعنا المستقبليّ.

ومن ثم يتأكد لنا مرة أخرى أن هذه العروض ما جاءت لكي تلقي المتعة في نفوس المؤمنين، كما هو الحال في أي نشاط فني، قبل أن تبرز للعيان الاتجاهات التعليمية الحديثة في ميادين الفنون، إنما جاءت لكي (تعلمهم) من خلال تجاربهم الماضية و(تحركهم) عبر الأضواء الحمراء والخضراء التي أشعلتها لهم هذه التجارب في طريق الحياة المزدحم الطويل “؛ولتكون نبراسا يستضاء به، ويقتبس منه صدق المسار أو انحرافه.

هذا، والقصص القرآني- ” وإن جاءت تسميتها- أحيانا- بالقصص، أي الحديث عن الماضي، – تخرج عن الإطار الفني للقصة وبهذا تكتسب بعدها التاريخي المجرد.

ولا تتميز سنن الله القرآنية بكونها ضوابط للعلوم الإنسانية فقط، بل تمتد لكل العلوم، دقيقها وجليلها ؛ لكونها نور الله الذي لا يترك انحرافا ولا لبسا إلا كشفه.

وبعبارة واضحة وجلية أضحت سنن الله القرآنية علما من علوم الآلة، تستخدم في كل المجالات وسيلة ونبراسا ينير السبيل، ويعبر أصدق تعبير عن كوامن الأشياء خفيها وجلِيِّها.

فلقد اشتمل زهاء ثلث القرآن على سرد للقصص القرآني كلها منضبطة بضوابط السنن الإلهية، ليعبر أصدق تعبير بأن لا فاعل في الوجود حقيقة إلا الله، وأن لا راد لقضائه، ولا مبدل لكلماته.

قد يحتاج لسنن الله على أنها قوانين سرمدية، وضوابط أبدية :
– فضلا عن علماء العلوم الاجتماعية- رجال القانون، وعلماء التاريخ، ورجال المباحث الاجتماعية، والشرطة، ورجال العلوم الشرعية : كالأصولي والمحدث فيحتاجها هذا الأخير لتكشف علل المتون، وتكون للأصولي منارا تنير سبيل فهمه وفقهه لأسرار الآيات الكونية والقرآنية مما يزيده رسوخ قدم في العلم …

* بين السنن الإلهية وعلم المنطق :

ولما كان علم المنطق ينطلق من مقدمات منطقية، هادفا نحو غاية تصورية أو تصديقية، فإن كلمات الله التامات تأتي دلائل على صدق التوجه أو فساده.

ولما كان معتمد المنطق العقل، كان معتمد السنن القرآنية كتاب الله وعهوده التي عهد بها لكل شيء في هذا الوجود، وشتان بين الغايتين، وبعد الفرق بين الوسيلتين.

وإذا اعتمد المنطق منهجية العلوم وتأصيلها وترتيبها وتفريعها ؛ فإن سنن الله أبت إلا أن تكون الميزان والمقياس الضابط لصدق المبدأ, وصدق المنتهى, أو فسادها. ]وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[ لقمان : 27.]

ولما غفل علماؤنا – رفع الله شأنهم ومكانتهم لديه ورحمهم الله – هذا البحر الزاخر بمعطياته وبإمداداته قالوا في استفسار واستغراب :كيف يحكم المتناهي المطلق الذي لا يتناهى؟ ومن هنا عمدوا إلى تقعيد القواعد الأصولية والفقهية في استنباط الأحكام وهو جهد مشكور، وكان الأولى أن يفسح المجال للامتناهي مع اللامتناهي.

* بين الدلائل المنطقية والسنن القرآنية :

لما كانت العلوم السياسية كجل العلوم تخضع للمنهجية المنطقية تأصيلا وترتيبا وتفريعا، فلا مناص من تلوثها بدائها العضال وهو : انقطاعها عن الله إمدادا، ونسبة، ومعرفة ؛ لكون العلم كائنا ما كان لا ينتسب إلا لله :

{وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} الأنبياء : 81.
{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا }ً[ لإسراء : 85. ]
{قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهَّ}[ لملك : 26.]

قد يتراءى للقارئ أن هذا الكلام جاء طعنا في علم المنطق ؛ إذ لم يعد لعلم المنطق الذي أصله علماء الإسلام كلمة في زمن انبهار المسلمين بالعلوم الغربية، فأقبلوا على كـل علومهم من طيب وخبيث ينقلونها، ويستوردونها لشعوبهم دون فحص أو تمحيص ؛ لمجرد أنها تخضع لمنطق العقل.

وعلم المنطق عبارة عن جهود مضنية بذلت، تتطلب أسلمتها. وعوض إبعادها كليا؛ يكفي الرجوع فيها إلى ما أصله السلف الصالح من مناهج، وما زاده علماء الغرب من إحصائيات، ودراسات منهجية، على أن لا يتعدى علم المنطق حدود معرفته : {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون} َ[ آل عمران: 66].

إن إحصائيات المنطق لا تدرك لترابط النيات والأحداث معنى من المعاني، فلا يخوض المنطق في هذه الميادين إلا بالظن والحدس، كما لا يدرك المنطق ضوابط لترابط الأحداث بعضها ببعض. وبصريح العبارة إن ما يسمونه العلوم الإنسانية بصفة عامة باستثناء علم المناهج هي جملة من النظريات يدحض بعضها بعضا.

و قد تثور ثائرة غضوب على ما سبق من قول، لكن البراهين تدحض الباطل ولا تبقي له باقية لبس، فهذه شهادة شاهد من أهلها أهّله اختصاصه وطول خبرته في الميدان ليبوح بالحقيقة المرة :

” إن من العقبات التي تحول بين هؤلاء المواطنين وبين ممارسة حقوقهم ممارسة كاملة في الغرب اليوم أنهم موزعون بين مشكلات سياسية خاصة لا يتوصلون إلى إدخالها في مجموع كلي.

صحيح أن هناك معلومات غزيرة وافرة عن جميع المسائل، لكننا نكاد نفتقر افتقارا كاملا إلى نظرة شاملة تتيح لنا وحدها أن نفهم خطورة ودلالة كل مسألة من تلك المسائل.

فمن المفيد أن نساهم في سد ثغرة أساسية كهذه الثغرة، و إن ظلت هذه المساهمة ناقصة غير كافية”. إن مؤلف هذا الكتاب يشعر بأن مساهمته ناقصة غير كافية. ( مدخل إلى علم السياسة، موريس دوفورجي : 3).

إنه اعتراف واضح من أحد خبراء العلوم السياسية الغربية بأن العلوم الغربية لم تستطع إعطاء نظرة عن تكامل عوامل الصراع وتفاعلها فيما بينها، فهل لاح لنا أنه لا مجال لمقارنة السنن الإلهية بالمنطق العقلي المجرد ؟

إن السنن الإلهية تنبثق عن عهود ربانية، متكاملة، وهي وحدة كلية، شاملة لكل مناحي الحياة، فهل يستفيق الهمم من غفوتها ؟ أم كيف يستوي الأعور مع ذي الأبصار المؤيد بالغيب، فضلا عما يدركه من السنن الإلهية، وما يفتحه الله على قلبه ؟

السنن الإلهية : بين الأسباب والمسببات

فالأسباب المرتبطة ارتباطا مباشرا ومتسلسلا تسلسل الأي، ومتعاقبا تعاقب الليل والنهار لا يجد العقل فيها توقفا، بل يقبلها ويمضي في تبنيها : {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنيا} [ مريم : 25]

فينتج عن هز النخلة تساقط الرطب في أيام جنيه، لكن السميع القريب ما دلها على هز النخلة، إلا بعد انقطاع سبيل التقوى, لما قالت قولتها : { فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّا } [مريم : 23]

إنها قولة تنم عما أصابها من جراء هول الموقف، حتى تمنت أنها لو لم تكن شيئا مذكورا؛ وذلك لانحصار العقل البشري في دائرة محيطه، ولكون الإنسان خلق ضعيفا، فكل المؤثرات تعمل عملها فيه بشكل إما سلبي وإما إيجابي، ومن هنا كانت عناية الله بعباده، فهو يلهم ويسدد الخطى، ويتدخل غيبه في أحلك الظروف، وأصعبها موجها ومرشدا، فسبحانه من علام الغيوب.

فهل تركت الصغيرة مريم في حيص بيص من أمرها ؟
يبين لها الجليل، جل جلاله، ما يجب القيام به، إن تمسكت بهدي ربها، وارتدت لباس التقوى من جديد، ولم تحد عنه برفضها قضاء الله، حين تمنت أن لو كانت نسيا منسيا، بينما ربها يريد أن يجعلها للناس آية، ويرفع ذكرها : فسبحان من يسوق العبد لفضله وهو له كاره، وفي ذلك يقول عز وجل :

{فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّا وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُون} [مريم : 24-34]

فلما امتثلت أمر ربها من جديد ؛ جعل الله لها مخرجا : فتكلم ابنها في المهد صبيا، ونافح صيانة لعرض أمه، بأن ما تم كان من أمر الله ؛ إذ لا راد لقضائه، وكان أمر الله مفعولا، واستسلم الجميع، إلا من عاند جحودا.

لقد كانت الصغيرة مريم آية لكل من عاشرها، فكان أول من استفاد منها نبي الله زكرياء عليه السلام ؛ إذ كان :

{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَـــــنْ يَشَــــاءُ بِغَيْـــــر ِ حِسَابٍ} [آل عمران : 37]

فتأثر سيدنا زكرياء لقدرة الله ونادى ربه نداء خفيا :{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً} [ مريم : 4-7].

للرزق سبيلان : سبيل التقوى وسبيل الأسباب:

وللسائل أن يسأل : كيف تأتّى لها الرزق من غير سبب في رخائها، وامتنع عنها وعز عند مخاضها ؟

إن لفتح الله وفضله أسبابا منها تقوى الله، واتخاذ الأسباب …. ولما كان لباس التقوى رداءها جاءها الرزق بغير حساب، ولما رفضت قضاء الله انقطع هذا السبيل، وبقي سبيل الأسباب ؛ لذاك أمرها جل وعلا بقوله : {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [ مريم : 25]

ولما امتثلت الأمر وانقادت إلى سبيل التقوى جاءها الفرج من غير سبيل الأسباب.

المعجزة في ميزان السنن الإلهية :

إرادة بمحض المشيئة، ووفق الوعود الربانية. وقد يقول قائل أما تكلم ابنها فهو معجزة، وما كانت المعجزة معجزة إلا بكونها من الخوارق، بمعنى أن لا يضبطها ضابط؛ بحيث لا يمكن أن يتجدد التكليم لصبي آخر ؟

ليس من الضروري أن يتكلم صبي آخر، بل الأمر انبنى على وجود المخرج للمتقين، ثم لا نستعجز قدرة الله على تكليم صبي آخر؛ إذ الله على كل شيء قدير.

أما الكلام عن المعجزة فهو أمر غير خارج عن نطاق السنن الكونية وذلك :

1-لكون الله -جل جلاله- حرم الظلم على نفسه، وسن في هذا الكون سننا، كانت بمثابة كلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وهو سبحانه لا ينطلي عليه الواجب الشرعي، لكن إذا تعلقت إرادته وبمحض مشيئته بشيء كانت على الوجه الذي ينسجم مع عهوده ووعوده ؛ لكونه جل وعلا لا يخلف الميعاد.

2- بناء على ما سبق، اقتضت إرادته سبحانه وتعالى إيجاد مخرج للمتقين، كما اقتضت سننه الكونية أن لا يأتي الصبي من غير أب وأم، من هنا اقتضت حكمته سبحانه وتعالى تبرئة لذمة مريم عليها السلام، وحفظا لعرضها، وصيانة لشرفها، وذلك بتكليم الصبي ليتولى الذود عن حمى أمه. فضلا عن ثنائه –عزو جل- عليها بحفظ فرجها في القرآن الكريم.

3-من مقتضى السنن الإلهية أن يستجيب كل شيء لأمر ربه، وهذا حاصل المعجزة.

وهكذا تأتي المعجزتان خارقتان للعادات الكونية :

ابن يأتي من غير أب ؛
ونبي يتكلم في المهد صبيا.

و مع كونها خارقتين للعادات، فليستا خارقتين للسنن الإلهية بحيث :

أ-أن الحمل كان على إثر النفخة الربانية التي هي أصل الخلق، والتكريم الرباني للإنسان،كما كانت بأمر الله.

” ومن الحجج البرهانية في القرآن قياس إعادة الخلق على بدئه، بالنسبة إلى الخالق العظيم ؛ فإذا ظهرت قدرته على البدء- وهذه القدرة مستمرة لا تنقطع ولا تتناقض- فهو على الإعادة قادر أيضا، وباستطاعتنا أن نصوغ هذه الحجة على طريقة القياس الاستثنائي فنقول :

من كان قادرا على بدء الخلق، فهو على إعادته بعد موته وفنائه لقادر؛ لأنهما متساويان “. (ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة” لعبد الرحمن حسن جنكة الميداني، ص 298).

وهو أيضا، على خلقه من جديد لقادر، مصداقا لقوله تعالى :
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران 59 ]

ومن هنا فلا غرابة في الأمر إذن؛ ما دام لم يخرج عن إرادة الله وحكمه؛ إذ هو بكل شيء عليم، وهو بكل شيء محيط.

ب- وفي تكليم الصبي تجلى نطق الصبي للعيان، والله جل جلاله جعل النطق لكل شيء :

{وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[ [فصلت : 21]

وبهذا يزيدنا الله ثباتا على المبدأ، واطلاعا عن كثب بأن لا شيء في الكون يخرج عن إرادة الله وعن ضوابط السنن الإلهية القرآنية. وصدق الله العظيم : {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف :54

اقرأ كذلك

غاية سنة الله القرآنية

{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} باقتحامنا هذه الضوابط لسنة الله نضع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 + 20 =