وأما فيما يتعلق بموضوع سؤالك، فاعلمي أختاه، بأن الفرق بين الشرك وعدمه هو الدليل والبينة من الله، فإن نحن التزمنا ما جاءنا من الله من براهين علمية، نكون على بينة من ربنا وهذه حجتنا بين يدي ربنا،
أما عند فقدان الدليل الرباني بأن نمضي في سبيل ليس لنا فيه من برهان رباني من كتاب وسنة فذاك هو الضلال بعينه، وسميه أنئيذ شرك ووو…
بعد بيان هذه المقدمة، أقول في الآية التي عرضتيها:
{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ [13] {إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } فاطر14
يقول ابن عجيبة في تفسيرها:
يقول الحق جلّ جلاله: { يُولج الليلَ في النهار ويُولج النهارَ في الليل } أي: يُدخل من ساعات أحدهما في الآخر، حتى يصير الزائدُ منهما خمس عشرة ساعة، والناقص تسعاً. { وسخَّر الشمسَ والقمرَ } ذللها لِمَا يُراد منهما، { كُلٌّ يجري لأجلٍ مسمى } أي: يوم القيامة، فينقطع جريهما، { ذلكم اللهُ ربكم } الإشارة إلى فاعل هذه الأشياء، وهي: مبتدأ، و ” الله ” وما بعده: أخبار، { له الملكُ } له التصرف التام. { والذين تَدْعُون من دونه } من الأصنام، أي: تعبدونهم، { ما يملكون من قِطْمِير } وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة، كما أن النقير: النقطة في ظهره. وهما كنايتان عن حقارة الشيء وتصغيره.
{ إِن تدْعُوهُم } أي: الأصنام { لا يسمعوا دعاءَكم } لأنهم جماد، { ولو سَمِعُوا } على سبيل الفرض { ما استجابوا لكم } لأنهم لا يدّعون ما تدّعون لهم من الإلهية، بل يتبرؤون منها. { ويومَ القيامة يكفرون بشِرْكِكم } بإشراككم لهم، وعبادتكم إياهم. ويقولون:
{ مَّا كُنتُم إِيَّانَا تَعْبُدُونَ }[يونس: 28]. ( البحر المديد في تفسيلا القرآن المجيد).
فالآية لا علاقة لها بموضوعنا، فهؤلاء كفار قريش دعووا الأصنام باعتبارها آلهة مع الله، فكانوا يستغربون توحيد الألوهية {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }ص5
والمؤمن لا شأن له بالأصنام وإنما هو يتبع ولا يبتدع فبالنسبة للتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم هناك الآية: الواضحة الدلالة:
يقول الله تعالى
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }النساء64
يقول الألوسي رحمه الله
{ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } وعرضوها للبوار بالنفاق والتحاكم إلى الطاغوت { جَاءوكَ } على إثر ظلمهم بلا ريث متوسلين بك تائبين عن جنايتهم غير جامعين ـ حشفاً وسوء كيلة ـ باعتذارهم الباطل وأيمانهم الفاجرة { فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ } لذنوبهم ونزعوا عما هم عليه وندموا على ما فعلوا. { وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ } وسأل الله تعالى أن يقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم، وفي التعبير ـ باستغفر ـ الخ دون استغفرت تفخيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عدل عن خطابه إلى ما هو من عظيم صفاته على طريق حكم الأمير بكذا مكان حكمت، وتعظيم لاستغفاره عليه الصلاة والسلام حيث أسنده إلى لفظ منبىء عن علو مرتبته { لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } أي لعلموه قابلاً لتوبتهم متفضلاً عليهم بالتجاوز عما سلف من ذنوبهم، ومن فسر ـ الوجدان ـ بالمصادفة كان الوصف الأول: حال والثاني: بدلاً منه أو حالا من الضمير فيه أو مثله، وفي وضع الاسم الجامع موضع الضمير إيذان بفخامة القبول والرحمة.
ما أصطفيه من تفسير الآية :
إذ ظلموا، الشرط مع الماضي يفيد التكرار، ومعنى الآية أي انهم كلما ظلموا أنفسهم جاءوك، أي قصدوك واستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لكان ذلك سببا لتكفير الذنوب عند الله التواب الرحيم.
والنظرة القصيرة للسلفية لا تأخذ سنن الله التشريعية في الاعتبار، فهل كان الله يشرع لمجموعة من الناس فقط (الذين هم الصحابة) أم كان الوحي ينزل بتشريع سماوي صالح لكل جيل ولكل مكان؟ وهذه الرؤية هي عمدة التشريع الرباني.
وهنا لا دليل لمن يحصر التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فالأصوليون لديهم قاعدة ” المطلق يبقى على إطلاقه ما لم يقيده مقيد ولا مقيد للأية في حياته، وكيف والعكس هو الثابت؟
وسبق أن بينا في الآيات القرآنية بأن اليهود كانوا يستشفعون به قبل مجيئه صلى الله عليه وسلم.
حياة الأنبياء بعد مماتهم :
[مررت على موسى وهو يصلي في قبره . وزاد في حديث عيسى : مررت ليلة أسرى بي ] (الراوي: أنس بن مالك المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 2375 خلاصة حكم المحدث: صحيح)
وكل ما جاء في حديث الإسراء من مراجعات سيدنا موسى لنبينا محمد عليهما الصلاة والسلام.
وهاك ما يثبت ذلك في حق حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم:
[حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض علي أعمالكم ، فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم ]
(الراوي: بكر بن عبدالله المزني المحدث: محمد ابن عبدالهادي – المصدر: الصارم المنكي – الصفحة أو الرقم: 329 خلاصة حكم المحدث: مرسل إسناده صحيح)
وقف السلفيون هنا بالقول بأن هذا الحديث صحيح الإسناد والحقيقة هذا الحديث كان سبب أخذ ورد بين الألباني وعبد الله بن الصديق والذي ألف فيه كتابا أسماه نهاية الأمال في صحة وشرح حديث عرض الأعمال.طبع بدار عالم الكتب1985م
هذا فضلا عما سبق بأن الذين أنعم الله عليهم كانوا من المكرمين بالحياة، بعد الموت.
وخلاصة القول :
ففي حق الحبيب المصطفى والتوسل به فهذه الآية أراها أعظم دليل حيث أنها تبين بأنه كلما ظلم العبد نفسه وهرع إلى التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم واستغفر الله واستغفر له الرسول وفق الحديث أعلاه لوجد الله توابا حكيما.
وقد سبق لي أن سقت عدة أدلة في التوسل بخلق الله سواء وفق أمره صلى الله عليه وسلم كما كان الشأن بالنسبة لأويس القرني، أو توسله صلى الله عليه وسلم بدعاء عمر ابن الخطاب، ولا شأن لقول من حصر الأمر في حياتهم، فهو تحكم لا دليل عليه؛
وفضلا عن كل ما سبق اقرئي الحديث القدسي النالي:
[إن الله قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته : كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته ] (الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 6502 خلاصة حكم المحدث: [صحيح] )
هذه سبيلنا وحجتنا في الأولياء، فالله تعهد أن يستجيب دعوتهم وأن يعيدهم مما استعاذوه منه، وتبقى الأمور كلها محكومة بسنن الله في الهداية والضلال، وفوق هذا وذاك الله غالب على أمره.
فهل توسلنا الذي نقصد به الله تعالى ونستشفع فيه بالأنبياء أو الأولياء أو الصالحين، وهم وجهاء عند الله وفق ما سبق من آثار نستوي فيه بمن يدعو أصناما لا تملك ضرا ولا نفعا ولا شفاعة، فالأصنام ليس لنا فيها من الله سلطانا.
والشرك هو أن تشرك بالله ما لم ينزل به علينا سلطانا{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }الأنعام81
وعن سؤالك: من هم الأولياء الصالحون؟
فهم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنن المصطفى، أو من ذادوا عن سنته ونقائها وصفائها، فنفوا تحريف المحرفين وانتحال المبطلين وغلو الغالين.
وإليك الأدلة في ذلك:
[إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي ] (الراوي: عمرو بن عوف المزني المحدث: الترمذي – المصدر: سنن الترمذي – الصفحة أو الرقم: 2630 خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح)
[يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين]
(الراوي: إبراهيم بن عبدالرحمن العذري المحدث: الإمام أحمد – المصدر: تاريخ دمشق – الصفحة أو الرقم: 7/39 خلاصة حكم المحدث: صحيح)
{ مَّا كُنتُم إِيَّانَا تَعْبُدُونَ }[يونس: 28]. ( البحر المديد في تفسيلا القرآن المجيد).
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }النساء64
وإليك الأدلة في ذلك:
(الراوي: إبراهيم بن عبدالرحمن العذري المحدث: الإمام أحمد – المصدر: تاريخ دمشق – الصفحة أو الرقم: 7/39 خلاصة حكم المحدث: صحيح)
الأستاذ محمد جابري الموقع الرسمي