الفكر الإقصائي ليس من الإسلام في شيء

خلق الله البشر للتعايش والتعارف وتنافس الفضائل وتسابق الخيرات، وتأبى البشرية المنغمسة في وحل الفكر الأرضي إلا الانقياد لفكر استعلائي لفئة من الفئات، أو لفكر معين تناصره وتؤازره، فعلى صعيد الديانات نجد اليهودية انبنت على فكرة شعب الله المختار، وليس عليهم في الأميين سبيل.
وعلى سبيل الأحزاب الأرضية نجد من ينكر بعضه، ويلغيه من كل حساباته، أو لا يعترف بقيمته الفكرية وهي نظرات استعلائية تكبرية، يغدوها حقد دفين، وتؤازرها العداوة والبغضاء.

ترى هل المسلم ينغمس في رجس الفكر الإقصائي وما بنى أسسه إلا على الاستكبار والاستعلاء، على درب إبليس في قوله ؟

{قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين[76]}سورة ص

والترفع على العباد يقصي من حلبة الدار الآخرة التي جعلها الله للذين لا يستكبرون ولا يبغون علوا في الأرض ولا فسادا

{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين[83]}سورة القصص

نعم نجد لمن لم يغص في بحر العلوم القرآنية اندفاعا وتوجها تكفيريا يصبغ الأخر بلون مشين وينعته بنعوت تتقزز منها المشاعر، ويحرض على العداوة والبغضاء باسم عقيدة الولاء والبراء… وفي جوهر أمره هو مجرد تحزب مشين لا علاقة له بتأصيل شرعي، ولا وجهة نظر ثاقبة، صائبة في جوهرها، أوعميقة في رؤاها. فهؤلاء لم يطلوا ولو إطلالة على قوله تعالى:

{وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون[32] وما أرسلوا عليهم حافظين [33]} سورة المطففين.

فالحكم على المخلوقات هو شأن رباني، والمطلوب من العباد هو النصح والإرشاد لما هو أهدى سبيلا. وتتبع العورات تعهد الله من سلك سبيله بفضحه في قعر بيته، فهل هذا مسعى شريفا يجدر بالمرء سلوك دربه؟

إنه بمجرد الإطلالة على كتاب الله نجده يذم فرعون لجعله الناس شيعا يستضعف طائفة منهم، ويتعهد الجليل جل جلاله أن يمد بمنه وكرمه المستضعفين ليرتقوا للإمامة، والتمكين في الأرض وليصبحوا سادة بعد أن كانوا مسودين هذا، بغض النظر عن جنسهم، ولغتهم، وبلدهم، ولونهم، وصبغتهم السياسية. وفي بيان هذا التوجه يقول الحق جل علاه:

{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين[5] ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون[6]} من سورة القصص

لاحظ هنا تعريف المخصوصين بمنّ الله وكرمه هم ” الذين استضعفوا ” ولنا أن نسأل ما لغتهم؟ أو ما لونهم؟ أو ما وطنهم؟ أو ما نهجهم؟ كل هذا لم يلتفت إليه الوعد الرباني لكون الأيام جعلها الله دولا بين الناس: أي يتبادلون الأدوار فيها بينهم في تبار لأيهم أحسن عملا.

{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير} سورة الحجرات الآية 13

هذا هو هدف الخلق على وجه البسيطة، تنافس في الخيرات وتسابق في الدرجات العلا. مصداقا لقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:

[أحب العباد إلى الله تعالى أنفعهم لعياله ] الراوي: الحسن البصري المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع – الصفحة أو الرقم: 172 خلاصة حكم المحدث: حسن

وقد نهانا الله أن نمس بسوء من خالفنا في التوجه أو الدين، بل أمرنا بإبرار ذمتهم ومعاملتهم بالقسط:

{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين [8] إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون[9]} سورة الممتحنة

بعد هذه الإطلالة على سنة الله في تعايش الخلق فيما بينهم، ترى لقد خلت من قبلنا مثلات فما سنة الله فيمن يرغبون إقصاء الأخرين؟

يقول جل جلاله:

{وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [30] } سورة الأنفال

مكر من العبد يقابله مكر من الله الذي بيده المكر جميعا، ومكر أولائك هو يبور. وتقتضي الآية بأن إقصاء النبي صلى الله عليه وسلم من مكة هو أيضا إقصاء لقريش من الهيمنة على مكة:

{ وان كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا[76]}سورة الإسراء

ومن تدبر عبارة القليل في سنن الله وجدها بضع سنين:

{لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها الا قليلا[60]} سورة الأحزاب

لاحظ بأن المنافقين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض يحاولون إقصاء النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، فكان الوعيد الرباني، وطبعا أخرج الله اليهود من المدينة المنورة في بضع سنين لمجاورتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونستخلص القاعدة السننية: بأنه من أحب استفزاز قوم استفزه الله، ومن أراد إقصاء قوم أقصاه الله، فالجزاء عند الله من جنس العمل إلا فيما لا يليق بجلاله.

وهل يسلك عاقل هذه الدروب وينحو هذا المنحى؟

فعلى سبيل المثال فكل الرسل توعدتها أقوامها بالإخراج أو الإبعاد نفيا لهم من الواقع أو بالتقتيل تصفية لحساباتهم، وفي هذا يؤكد القرآن الكريم سنة الله في هذا المسلك:

{وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين[14] ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد[15]} سورة إبراهيم

تلك إذا هي القاعدة العامة، والمسلك الصحيح فكل من عمل على إقصاء شخص أو جماعة فهو إلى الإقصاء مرجو إلى بضع سنين.

ومن القاعدة العامة إلى سنن التاريخ وما جاءت به :

قال فرعون:
{ إن هؤلاء لشرذمة قليلون[54] وإنهم لنا لغائظون[55] وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [56]} سورة الشعراء

إنه لما اختار تصفية الحساب مع موسى ومن معه، وأرادها حسما نهائيا، كانت نتيجة قراره هي:

{فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59)} سورة الشعراء

وفي تفصيل لكيفية إخراجهم من جناتهم وكنوزهم ومقامهم الكريم، وتوريثها بني إسرائيل يقول الحق جلا علاه:

{فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربي سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68) } سورة الشعراء

ونظرا للبعد الزمني للبضع سنين لا يحسن الناس قراءة أحداث التاريخ وتتبع مجريات سنن الله في كونه، ومن هنا تأبى البشرية إلا أن تحاول إقصاء من يخالفها فكرا وتوجها وفي كل الحالات يتم إقصاء من تعمد الإقصاء.

وقال قوم لوط:

{فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون [56]}سورة النمل.

وقال قوم شعيب:

{قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وانا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما انت علينا بعزيز[91]}سورة هود

وعمد قوم صالح إلى تصفية الحساب معه بقتل الناقة ورفع التحدي قائلين:

{فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا ان كنت من المرسلين[77]}سورة الأعراف


والأمثلة كثيرة ونكتفي بالقاعدة العامة؛ لنخلص بأن الفكر الإقصائي لا علاقة له بسلف الأمة ولا سبيل له في دين الله؛ بل النهي عنه وارد بذم الفعل والفاعل وتوعدهما بالإقصاء

اقرأ كذلك

أمارات فقه السنن الإلهية وتطلعاتها

لكيلا ننزلق إلى متاهات الإسلام السياسيي يلزم تحقيق مناط التكليف بالانضباط لقوانين السنن الإلهية حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

nineteen − five =