سنن الله لا تحابي أحدًا

لماذا رد الله دعاء الأنبياء عليهم السلام ؟

تطل أسئلة برأسها من شرفة هذا البنيان المتراص : لماذا رد الله دعاء الأنبياء عليهم السلام وهم أطهر الخلق وأزكاهم عند الله ؟


أ- مع دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام :
طلب سيدنا إبراهيم عليه السلام الله جل جلاله أن يخص الذي آمنوا من أهل مكة بالرزق, فأبى جل جلاله أن يكون في نظامه حيف, حيث سيكون أجبر الناس على الإيمان من أجل الرزق. ومن شأن إجابة الدعاء عدم الإخلال بقوانين الكون, وكلمات الله لا يجاوزهن بر ولا فاجر ولا تبديل لها إنها عهود الله والله لا يخلف وعده :

]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[ البقرة : 126

 

لم ترد دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كلية ؛ وإنماخص مكة بأن تجبى إليها ثمرات كل شيء بدعوة سيدنا إبراهيم وأبقى العهد بوجود الكافر

{وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[البقرة : 126.

إلى أن جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وآنئذ حرمها على الكافرين


ب – مع سيدنا موسى عليه السلام:

ويخاطب الجليل سبحانه وتعالى سيدنا موسى عليه السلام :

{وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِي وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِي قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء : 10-17].

رفض أيضا طلب موسى عليه السلام لعهده لأمه لكونه أيضا مخالفا لعهد الله إذ أوحى الله جل جلاله إلى أم موسى

أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ}[القصص :7]

ج – مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

1-

ويشفق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، على عمه، ويدعوه بالإلحاح للنطق بكلمة التوحيد،

 

ويجهد الرسول عليه السلام، في هداية عمه ويموت عمه على الكفر ويأتي التوجيه الرباني.

 

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}[ القصص : 56].

إنها رغبة عارمة وعازمة من حبيب الله r لهداية عمه (انظر القصة برمتها في سيرة ابن هشام , 2/26 وما بعدها).لكن سنن الله اقتضت أن لا يخلف الله وعده, وقد وعد جل وعلا : {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ}[ النحل : 37]

و لقد كان عمه من رؤساء قريش الضالين المضلين رغم ما خص النبي e من عطف و حنان ورحمة كانت كلها بدافع القرابة والدم, لا بدافع الحب في الله والبغض فيه.

 

2-

دعاء مسجد بني عامر: عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :” … وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا“..(صحيح مسلم بشرح النووي ج18/11 كناب الفتن و أشراط الساعة باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض.)
وعن بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ الْعَالِيَةِ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فَقَال  : ” سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ ِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا ” ( أخرجه مسلم كتاب الفتن و أشراط الساعة, باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض, حديث رقم : 2890.)

يتبين لنا من خلال هذين الحديثين أن الله جل وعلا لم يخلف وعده الذي ورد في قوله تعالى :

{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}[ النساء : 141}

إلا إذا كان بعض المؤمنين يهلك بعضا وبعضهم يسبي بعضا فإن سنن الله لا تتخلف إذ وعد سبحانه وتعالى بأن ينتقم من المجرمين وأن يولي بعض الظالمين بعضا. إذ يقول سبحانه وتعالى :

{إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُون} [السجدة : 22}

{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[ الأنعام : 129}

]وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُون}[ القصص : 59}


فلا غرابة إن رد جل وعلا دعاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يجعل بأس الأمة بينها لتعارض الدعاء مع السنن الإلهية في قوله تعالى : {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان : 20.


واستجاب الله جل وعلا دعاء النبي  بأن لا يهلك الأمة بسنة عامة وبالغرق .


{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}[الحج: 55]

أماا الهلاك الجزئي فلا يمكن نفيه لوعده عز وجل : {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}[ الإسراء : 58.]


إنها بخلاصة عدالة الله في سننه الكونية التي لا تحابي أحدا، فلا مجال للمحاباة ولن تجد لسنة الله تبديلا حتى ولو كان المعترض حبيب الله وصفيه محمد بن عبد الله صلة الله عليه وسلم أو أي رسول أو نبي فبالأحرى من دونهم

 

اقرأ كذلك

غاية سنة الله القرآنية

{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} باقتحامنا هذه الضوابط لسنة الله نضع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − eighteen =