الرئيسية / ثقافة عامة / مستجدات ظرفية / يأيها المصريون : تعالوا إلى كلمة سواء

يأيها المصريون : تعالوا إلى كلمة سواء

قبل أن تنفرط حبات العقد وقبل تشتت ما بقي من أمل لجمع الشمل ووحدة الصف ؛ أطلق صرخة لكل مصري مهما تباينت انتماءاتهم ، وتنوعت دياناتهم وتباينت وجهة نظرهم.

ليس للأمة المصرية من خيار أمام الجلوس للتحاور والتشاور عن سبيل يجمع الأمة ولا يشتت ما تبقى من ربقة وحدتها ؛ إن رامت الحفاظ على وحدة وطنها ووحدة جيشها ؛ ورد الصاع صاعين لمن رام أن يبث الفرقة والشتات بين أبنائها ؛ ومن ثم بعثرة وتمزيق قوتها الوطنية فالعسكرية وما سبيل سوريا منا ببعيد.

إن التقاتل بين المسلمين مهما تنوعت أسبابه وترسخت دواعيه لهو المصيبة الكبرى التي تجر البلاد للاحتلال الأجنبي.

لكم نغفل غفلة شديدة عن مطالعة سنن الله في كونه وقرآنه : فهذه أفغانستان تبدأ فيها حرب طاحنة بين الإخوة في الوطن والأعداء في التوجه ، وتسعر نارها وتشتد لمدة خمس سنوات ؛ وعلى إثرها يسلط الله على الطالبان أمريكا لتستحوذ على البلاد والعباد…

وهذه العراق لم يفتأ رئيسها في مقاتلة شعبه سواء بالغاز السام أم يتسليط مجرمين القتلة على الشعب مما تسبب في وجود بؤر ومقابر جماعية ، وتسلط على الكويت ، ولم يلبث أن دخل عليه المستعمر محتلا وفارضا لرؤاه…

وهذه سورية تقاتل أهلها ولسنتين خلت ولم تلح بوادر الانفراجة السياسية وما إخالها إلا محتلة من قبل أعدائها شاء من شاء وأبى من أبى ، اللهم إلا استثناء تقتضيه الإرادة الربانية

ولعل متسائل يبحث من خلال العرض عن الخيط الرفيع الرابط بين هذه الأمثلة وبين دعوة المصريين إلى كلمة سواء ليجد في العهد الرباني ما يستريح له الضمير وتحصل به القناعة على جدية الأمر ، وصدق القصد ، ونفاذ عجلة التاريخ التي لا تنتظر أحدا ؛ ولن يخلف الله عهده : فلنقرأه الحديث القدسي :

[ إنَّ اللهَ زوى لي الأرضَ . فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها . وإنَّ أُمتي سيبلغُ ملكُها ما زُوىَ لي مِنها . وأعطيتُ الكنزينِ الأحمرَ والأبيضَ . وإنِّي سألتُ ربِّي لأُمتي أنْ لا يُهلكَها بسنةٍ عامةٍ . وأنْ لا يُسلطَ عليهِمْ عدوًا مِنْ سِوَى أنفسِهمْ . فيستبيحَ بيضتَهُمْ . وإنَّ ربِّي قال : يا محمدُ ! إنِّي إذا قضيتُ قضاءً فإنهُ لا يردُّ . وإنِّي أعطيتُكَ لأُمتِكَ أنْ لا أُهلكَهُمْ بسنةٍ عامةٍ . وأنْ لا أُسلطَ عليهِمْ عدوًا مِنْ سِوَى أنفسِهمْ . يستبيحُ بيضتَهُمْ . ولوْ اجتمعَ عليهِمْ مَنْ بأقطارِها – أوْ قال منْ بينَ أقطارِها – حتى يكونَ بعضُهمْ يُهلكُ بعضًا ، ويَسبي بعضُهمْ بعضًا ]

الراوي: ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المحدث:مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 2889 خلاصة حكم المحدث: صحيح.

والتنازع بين الفئات المسلمة مهما تدثرت بغطاء إيديولوجي أو حتى إلحادية لهو شر مستطير لا يعلم أبعاده إلا من وقف موقف المنصف من النصوص القرآنية :

{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } الأنفال (46)

والطبقة المستضعفة غالبا ما تكون سباقة لرفض التحاور والتشاور والاعتراف بالخصم؛ وتأبى إلا أن تنتزع حقها بقوتها ورباطة جأشها وصمودها.

نعم ، فبئس من أعطى الدنية من نفسه وهو عنها راض ؛ وبئس  الخد الآخر للنصرانية ؛ كما بئس سبيل يؤدي للتفرقة والخراب وإذهاب الريح ؛ وبئس الاستسلام للخصم العنيد المحارب للدين والجالب لقوانين الكافرين.

وبين هذا وذاك ما السبيل للخروج من الأزمة وقد احتد الخلاف ونشب الفكر الإقصائي أظفاره في كل مرافق الدولة وبين أبناء الشعب الواحد.

والفكر الإقصائي ليس من الإسلام في شيء ؛ إذ هو السبيل لإقصاء من رام الإقصاء ؛ وهو عامل غريب عن فكر قانون رباني يصدر عن رب العزة لكونه سبحانه وتعالى رب الجميع ، بغير استثناء.

والكيس الفطن من يسعى لفك فتيل التقاتل مهما كانت أسبابه وتنوعت دواعيه واختلفت مرام المتمسكين به. فهو وكما أشارت الآية سبيل لذهاب الريح  وبعثرة الجهود لدولة غارقة في الديون الخارجية…

ولكم هو من الصعوبة بمكان بأن يقبل المسلم بدعوة للحوار والتواصل ويراها وصمة عار ، ورضى بالذلة والمهانة ، ولربما يراها موقف خزي يدعوه صموده لئلا يركبها مهما تنوعت الدواعي وتعددت دعاتها.

فالعناد لا غرو غرور الشيطان ؛ والإنصات لصوت الحق ، بعين البصيرة ؛ وبرؤية ضالعة في أصالة النصوص وتوجيه قرآني لهي الشيء الذي لا يفرط فيه إلا من خالف التوجيهات الربانية البناءة على نور من توجيهات القرآن :

{ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } الأنفال (61)

فليس الجلوس للحوار استسلاما ، وإنما جس لنبض صدق الدعوى ؛ واختبار لصدق النوايا ؛ والرغبة الجامحة لرأب الصدع وجمع الشتات.

فالجنوح للسلم مهما دعت إليه الدواعي فهو خير لبيان القرآن :

{ َإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا النساء (128)

لأن ما يعتري البيت الصغير من انشقاق واختلاف ، قد يعتري أيضا البيت الكبير ويهدد تلاحم فئاته وتماسكها ووحدة صفها ، ومن هنا : فالصلح خير عبارة يحللها الأصولي تحليلا يبين بأن كل جنس الصلح خير ؛ مهما تراءت لنا نواقصه ، وبواعث رفضه ، ودواعي عدم الإذعان لمتطلباته.

كما أن عبارة {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ} إثارة لذم التأخر عما فيه خير وصلاح للمجتمع ؛ وكل ما هو مذموم في القرآن جاء للنهي والتحذير من عقاب الله وعذابه. أترانا نستمع لصوت العقل والرشاد الفكري أم ننغض الرأس ، ونحركه حركة الرافض للحق ، ونجمد جمود المبطلين ، الجاحدين للحق ، مهما كانت مستلزماته.

إن التعايش السلمي في ظل احترام متبادل لهو أوثق العرى ، وبخاصة إن استجاب الخصوم لمبدأ عدم اتخاذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله : يقننون الشرائع ويفرضون وجهات نظرهم : مما ينتج عنه وجود طبقات مستكبرة وأخرى مستضعفة.

أكتب هذا في ظل احتقان هيمن على الشارع السياسي بعد الانقلاب العسكري على السلطة المنتخبة ، وبعد أن تغيرت ظروف سوّدت بشؤمها التيار الغالب للمشهد السياسي ، وجعلت منه البعبع الذي يقض مضجع مراقبي المشهد السياسي إن على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي بعد انحرافات طوائف اجتماعية تعد العمود الفقري للمجتمع في بنائه المتراص.

لقد بات جليا بأن الشارع يغلي غليانا ويموج بأمواج بشرية لم يسبق لانتفاضة أن التحمت في تجمعات بشرية مثلها وتوحدت في مطلبها ؛ في مظهر سلمي يعلو فوق كل المزاعم.

كما بات جليا للخاص والعام بأن كل المناوئين للحركات الإسلامية باختلاف انتماءاتهم قد ظهروا على وجه حقيقتهم ، ولون بشرتهم ، وتحدث كل بلسان عربي مبين معربا عما غاض في جوف قلبه ، ومخرجا ما ظل يستره لفترات طويلة. وقد سلقوا مخالفيهم بألسنة حداد أشحة على الخير …

وليس الوقت وقت حساب ؛ وإنما الوقت وقت تجاوز وتراحم وصلح يفضي بالجميع للتماسك في تعايش محترم بين مختلف فئاته ؛ في تجاوز لشح النفس سعيا لإنقاذ الاقتصاد الوطني من زلزلة يعلم الله بعد قعرها : وهذا ما لم تستطعه إلا فئة تضحي بالغالي والنفيس ترجيحا للمصلحة العليا ، وخدمة للصالح العام.

وها هي دول عربية وغربية إقليمية ودولية تتوسط في نزع فتيل بركان قد يحرق الأخضر واليابس مهما تعددت وجهة نظر الكل للمشكل…

فهل نستمع لصوت العقل ومقتضيات المصلحة الشرعية الدينية والدنيوية ؟ أم نندرج في بحبوحة من يتلقون القول بألسنتهم ؛ أجارنا الله بفضله ومنه وكرمه من كل سقطة ولوعة لا تحسب لرفعة الدين حسابها : إعلاء لكلمات الله ونصرة لشرعه.

اقرأ كذلك

تنبيهات القرآن من توظيف الإحصائيات لدى الغرب

قديما اتهم علم الإحصائيات بكونه فن الكذب بالدقة ودارت أحداث على المستوى العالمي وخرج علينا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 + twenty =