هل القواعد الفقهية والأصولية علم يقيني ؟‏

تبقى القواعد الفقهية والأصولية التي اعتمدها الفقهاء والأصوليون أغلبية، بمعنى أنها تشمل جزء كبيرا مما يندرج تحتها من الجزئيات وتبقى استثناءات لا حصر لها مما يجعلها محل ظنون وليس محل يقين قطعي .

ورغم ما جاء عن الفقهاء في أن أغلب الظن قد يفيد العلم ويرزق الطمأنينة؛ إذ به يقضي القاضي وبأغلب الظن حسمت مسألة الجرح والتعديل لدى المحدثين إلى آخر ما استمد من قواعد في ذلك، فلابن عربي الحاتمي قول يعض عليها بالنواجد: “واعلم أن الاجتهاد ما هو في أن تحدث حكماً هذا غلط، وإنما الاجتهاد المشروع في طلب الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع وفهم عربي على إثبات حكم في تلك المسألة بذلك الدليل الذي اجتهدت في تحصيله والعلم به في زعمك. هذا هو الاجتهاد فإن اللّه تعالى ورسوله ما ترك شيئا إلا وقد نص عليه ولم يتركه مهملاً فإن اللّه تعالى يقول : اليوم أكملت لكم دينكم. وبعد ثبوت الكمال فلا يقبل الزيادة ؛ فإن الزيادة في الدين نقص من الدين، وذلك هو الشرع الذي لم يأذن به اللّه “[1]

وما الدافع الذي دعا الفقهاء الأصوليين إلى استنباط هذه القواعد هو تساؤلهم في استغراب كيف تحكم النصوص المعدودة الأحداث والوقائع التي لا عد لها ولا حصر ؟ فاندفعوا لاستخلاص الكليات وهي أمور كلية شاملة جامعة مانعة، لكن لم تسعفهم الحيلة ولم تلن في يدهم الضوابط، ومن هنا كان اضطرارهم في استخلاص الأمور الأغلبية.

وكان عليهم حين خابت الأيدي من الإمساك بالكليات الكلية أن يرجعوا من حيث أتوا ؛ لكون الشريعة موصوفة بالكمال الذي لا نقص فيه، لكنهم دخلوا أبواب الظنون ودخل المعاصرون أبواب النظريات : النظريات الفقهية للزحيلي، نظرية المقاصد للريسوني، نظرية التقليب والتغليب للريسوني، نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء للروكي وهلم جرا!!!…

والشريعة الغراء تأتينا باليقين الذي لا يأخذك فيه ريب، وكل الظنون انحراف عن الجادة ؛ لكون الحجة لا تكتمل إلا بالعلم اليقيني. فهل نعي لِمَ أمرنا الله باجتناب كثير من الظن لمجرد كون بعض الظن إثما :

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }(الحجرات: من الآية12)

ولا ألوي على الدراسات المقاصدية وما جاءتنا به، فالمتتبع لأسسها البنيوية يضع اليد على أمور لا ترقى للاستدلال العلمي فبالأحرى أن تتخذ منهجا علميا يدرس من خلالها مصالح العباد وتتخذ بناء على معطياتها فتوى يقول بها المفتي.

وبناء على ما سبق من القول فإن من لم تتشعشع أنوار الشريعة واضحة بارزة متبرجة بين يديه تبرج الحقائق في كبريائها لما يزهق الباطل يرى كل بصيص نور سبيلا ومخرجا مما يتخبط فيه من الظلمات.

ألهمنا الله سواء السبيل ونور أبصارنا وعقولنا بنور الكتاب الذي لا تكـتنفه ظلمة.

{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة:16/15).

ولئن قبل سلفنا عليهم الرحمة والرضوان التعامل مع القواعد الأصولية والفقهية بما لها من هنات فهل نقبل عليها إقبالهم وقد أمدنا الله بنور السنن الإلهية وهي أمور كلية جامعة مانعة ؟؟؟

[1] – الفتوحات المكية – (ج 6 / ص 81).

اقرأ كذلك

هل أصوله الفقه في حاجة إلى مراجعة ؟‏

لم يعد خافيا عن العوام ما يصطلي به الفقهاء من نار الاختلاف ؛ إذ جاءت …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four + one =