أ- سرد لأقوال العلماء في الآيات المنسوخة :
” أجمع القائلون(فتح المنان لحسن العريض، ص:253) بجواز النسخ في القرآن على أن الآيات التالية متفق بينهم على نسخها 🙁 فتح المنان لحسن العريض، ص : .231.)
1- آية عقاب الفاحشة [ الآيات 15- 16 من سورة النساء]؛
2- آية الثبات في القتال [ الآية 65 من سورة الأنفال]؛
3- آيات المناجاة [ الآية 12 من سورة المجادلة]؛
4- آيات قيام الليل [ الآيات 2- 3- 4 من سورة المزمل]. “
واختلفوا في باقي الآيات :
– قال عبد العظيم الزرقاني: ” إن الآيات التي هي منسوخة عنده سبع منها الأربع أعلاه ومعها :
5- آية الوصية من سورة البقرة :.
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ}البقرة : 180.
6- آية العدة :
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} البقرة : 234.
7- آية حل زواج النبي صلى الله عليه وسلم :
{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} الأحزاب : 52.” (مناهل العرفان, ج 2/ 257- 259.)
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} البقرة : 234.
– وقال مصطفى زيد هي خمس آيات : الأربع المجمع عليهن إضافة إلى :
8- آية النهي عن الصلاة مع السكر :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} النساء : 43. (النسخ في القرآن.)
– أما محمد جلال قال هي أربع آيات منها ثلاث اتفق عليهن (و3 و4 أعلاه) أما الرابعة لديه هي :
9- آية محاسبة النفس من سورة البقرة :
{َإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}البقرة : 284. (في مذكراته للطلاب بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر.)
– علي حسن العريض ” الذي خلص في دراسته انطلاقا مما قال بنسخه الإمام السيوطي إلى أن النسخ ينحصر في خمس آيات هي مجموع الآيات المتفق عليها أعلاه إضافة إلى أحكام الصيام التي كانت في صدر الإسلام نسخت بآيات الصوم التي أحلت لهم ما حرم عليهم :
span> 10- {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} البقرة : 187.( فتح المنان في نسخ القرآن, ص : 340-341.)
– الإمام السيوطي :
ذكر جلال الدين السيوطي بعض الآيات التي اعتبرها منسوخة, وهي كالتالي :
فمن سورة البقرة :
1- قوله تعالى :
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ…}[ 180]
2- قوله تعالى :
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [184]
3- قوله تعالى :
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [187] 4- قوله تعالى :
{يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [217]
5- قوله تعالى :
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [240]
6- قوله تعالى :
{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [284]
ومن سورة آل عمران :
7- قوله تعالى :
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [102]
ومن سورة النساء :
8- قوله تعالى :
{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [33]
9- قوله تعالى :
{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى} [8]
10- قوله تعالى :
{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} [15]
ومن سورة المائدة :
11- قوله تعالى :
{… وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [2]
12- {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [42]
13- {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}[106]
ومن سورة الأنفال :
14- {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [65]
ومن سورة التوبة :
15- {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [41]
ومن سورة النور :
16- {الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً} [3]
17- {لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [58]
ومن سورة الأحزاب :
18- {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} [52]
ومن سورة المجادلة :
19- {إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا} [12]
ومن سورة الممتحنة :
20- {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا} [11]
ومن سورة المزمل :
21- {قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [2] “.
قال جلال الدين :
فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة على خلاف في بعضها لا يصح دعوى النسخ في غيرها, والأصح في آية الاستئذان والقسمة والأحكام, فصارت تسعة عشر, ويضم إليها قوله تعالى :
{فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}- البقرة : 115.
على رأي ابن عباس فإنها منسوخة بقوله تعالى :
{ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ}- البقرة : 149
فتمت عشرون”.( الإتقان، ج 2/ 23.)
1- قوله تعالى :
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ…}[ 180]
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [184]
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} [187] 4- قوله تعالى :
{يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [217]
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [240]
{وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [284]
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [102]
{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [33]
{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى} [8]
{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} [15]
وانحصر في هذه الأقوال أقوال المقلين بعدد الآيات المنسوخة، أما المكثرون فأغلبهم نصوا على نسخ أزيد من مئاتي آية جمعوا فيها الآيات المطلقة التي قيدت، والآيات المجملة التي فصلت، والآيات العامة التي خصت،…
ب- نموذج لتضارب أقوال العلماء في الناسخ لآية الوصية :
رغم ما وجد من اتفاق بين المتأخرين بالقول على أن النسخ انحصر في أربع آيات من كتاب الله، فالإشكال يبقى في اختلافهم في اختيار الناسخ.
مثال : يصر عبد العظيم الزرقاني على القول بنسخ آية الوصية من سورة البقرة :
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} – البقرة : 180.
” قال : فإنها تفيد أن الوصية للوالدين والأقربين فرض مكتوب، وحق واجب على من حضرهم الموت من المسلمين. وقد اختلف في نسخ هذه الآية وفي ناسخها.
فالجمهور على أنها منسوخة وأن ناسخها آية المواريث, وقيل إنها منسوخة بالسنة وهي قوله عليه السلام :[ لا وصية لوارث]-( الحديث أخرجه الإمام أحمد, ج 5/ 267. عن أبي أمامة الباهلي),
وقيل منسوخة بإجماع الأمة (1)على عدم وجوب الوصية للوالدين والأقربين… وقيل إنها محكمة لم تنسخ، ثم اختلف هؤلاء القائلون بالإحكام، فبعضهم يحملها على من حرم الإرث من الأقربين، وبعضهم يحملها على من له ظروف تقتضي بزيادة العطف عليه، كالعجزة وكثيري العيال من الورثة.
قال ورأيي مع رأي الجمهور في أن الآية منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث…
أما القول بإحكامها فتكلف ومشي على غير سبيل؛ لأن الوالدين وقد جاء ذكرهما في الآية لا يحرمان من الميراث بحال، ثم إن أدلة السنة متوافرة على عدم جواز الوصية لوارث محافظة على كتلة الوارثين أن تتفتت، وحماية للرحم من القطيعة التي نرى آثارها السيئة بين من زين لهم الشيطان لمورثهم أن يزرع لهم شجرة الضغينة قبل موته ؛ بمفاضلته بينهم في الميراث عن طريق الوصية.
أما القول بأن الناسخ السنة فيدفعه أن هذا الحديث آحادي، والآحاد ظني، والظني لا يقوى على نسخ القطعي وهو الآية.
أما القول بأن الناسخ هو الإجماع فيدفعه ما بيناه من عدم جواز نسخ الإجماع والنسخ به.
نعم إن نسخ آية الوصية بآيات المواريث فيه شيء من الخفاء والاحتمال, لكن السنة النبوية أزالت الخفاء ورفعت الاحتمال حيث أفادت أنها ناسخة؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية المواريث : “[ إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث“].(مسند الإمام أحمد, ج4 /186-187, ج5/ 267.)
وفي هذا المعنى ينقل عن الشافعي ما خلاصته :” إن الله تعالى أنزل آية الوصية وأنزل آية المواريث، فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع المواريث، واحتمل أن تكون ناسخة للوصية. وقد طلب العلماء ما يرجح أحد الاحتمالين فوجدوه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: [” لا وصية لوارث “].
وهذا الخبر وإن كان آحاديا لا يقوى على نسخ الآية فإنه لا يضعف عن بيانها، وترجيح احتمال النسخ على احتمال عدمه فيها.”( مناهل العرفان، ج 2/ 257- 258.)
ج – مناقشة ما ذهب إليه الزرقاني :
بعد أن عرض الأقوال في الآية على تباين وجهة نظرها، سار إلى تحديد وجهته في اصطفاء أحد الأقوال المعروضة.
لذلك قال : ” ورأيي مع رأي الجمهور في أن الآية منسوخة وأن ناسخها آيات المواريث “. والملاحظ هنا أن أستاذنا لم يسلك مسلك الأصولي، بل خير بين أمور فاختار رأي الجمع الغفير دون أدنى تمحيص ودقة تفكير، أكان الرأي أمراً ظهيراً أم غيره أحق منه ؟
وكان أولى له فأولى أن لا يحسم إلا بعد إدراك دقائق المسألة وما قيل فيها وما قيل عنها، ثم بعد الإحاطة يلوي ويعرض عن كل الأقاويل إلى القواعد ليأخذ الأمر بزمامه، ويصير إلى ما أتت به الضوابط والقواعد لاستخلاص الحكم وليعلن رأيه، خالفه من خالفه، وأيده من أيده، فلا يأبه بمؤيد، ولا يكترث بمعارض؛ لكونه رشف ما رآه حقا من دلو ما أصَّلَه الأصوليون، فكان منضبطا بضوابطهم وقواعدهم.
كان عليه قبل الحسم أن يسأل أفي الأمر تعارض بين نصين ؟ لكنه نهج نهج شيخ مذهبه، وسلك مسلكه، واقتنع بما اجتهد إمامه، وهذا إن كان يليق بعامي فلا يليق بمجتهد.
span>
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح أين مكمن التعارض بين النصين ؟
1- أولهما يفيد كون الوصية للوالدين والأقربين فرضا مكتوبا وحقا واجبا؛
2- ثانيهما يحدد نصاب كل وارث بعد خصم الوصية أو الدين؛
3- حدد الشارع أن الوصية لا ينبغي بحال أن تتعدى الثلث.
والناظر في هذه الأحكام يجد بينها تآزرا وتعاضدا، فقد نصت الآية الأولى والثانية على الوصية، وحدد الشارع مقدار وحدود الوصية، أهو تكامل بين النصوص أم تضارب وتعارض ؟
أما قول الشافعي رحمه الله : ” فاحتمل أن تكون الوصية باقية مع المواريث, واحتمل أن تكون ناسخة للوصية. وطلب العلماءُ ما يرجح أحد الاحتمالين فوجدوه في السنة…”.
كان أولى به أن يقف مع آية المواريث ليجد فيها الترجيح المطلوب :
{ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ } النساء : 12.
ليقلع عن اجتهاده ويقول بصريح العبارة : أن لا نسخ لكون الوصية اعتنت بها كلتا الآيتين، وهذا إعمال لكلا النصين وهو جمع بينهما، وهو أفضل مخرج.
———-
1- قال به ابن العربي : والغريب في الأمر أنه قال في معرض رده عن بعض المغالطات : المغالطة الرابعة : ” ظن قوم أن الإجماع نسخ في نفسه وينسخ به, ولا يتصور ذلك فيه، لأنه لا دليل يستقر بعد الوحي. فإن قيل فإذا اجتمعت الأمة على قول من قولين تقدما في القرن السابق ؟ قلنا : لا يكون هذا نسخا لأن من يقول بأن الخلاف لا يرتفع به قد بان ذلك فيه, ومن قال يرتفع الخلاف لم يكن هذا من باب النسخ…”.(ص : 14)
وقارن ما جاء هنا مع ما قاله بصدد الآية، حيث قال أيضا”… وذلك أن الإجماع ينعقد على أثر ونظر، فإن كان الإجماع ينعقد على نظر لم يجز أن ينسخ، وإن انعقد على أثر جاز أن يكون ناسخا، ويكون الناسخ الخبر الذي انبنى عليه الإجماع…” (الناسخ والمنسوخ في القرآن, ص : 20).
الأستاذ محمد جابري الموقع الرسمي