أقسام القرآن‏

يقول الحق سبحانه وتعالى :

]وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ[ (النور:34)

من خلال هذه الآية يتضح بأن القرآن جاء مشتملا على ثلاثة أصناف من النصوص :

1- آيات بينات ؛

2- القصص القرآني ؛

3- الأمثال والمواعظ ؛

التكامل القرآني :

فحينما تعهد السنن الإلهية (أو العهود الربانية) للبشرية :

]هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ[ (محمد: من الآية38)

تأتي قصة أصحاب الجنة في سورة القلم ضمن القصص القرآني مخبرة بأن الذين سبقوا بخلوا على المسكين ومكروا مكرهم لحرمانه مما كان يجود به أبوهم، فكانت النتيجة أن حرموا هم أيضا من خيرات تلك الجنة لما بعث الله من أحرقها وأصبحت رمادا :

]إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِين (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) [ (سورة القلم)

وتؤكد الأمثال والمواعظ ذلك المنحى بقوله تعالى :

]وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[ (البقرة:195)

ويضرب لنا سبحانه مثلا في استفسار استنكاري يبين بأنه شتان بين من يعتمد على الله وعلى وعده ]وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[ (سـبأ: من الآية39) وبين من يتكل على حساباته وتقديراته ومعارفه، وأنه بالجملة لا حيلة لمحتال بين يدي قدرة الله :

]أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ[ (البقرة:266)

هكذا تلتحم المعاني في عقد فريد وتختلف إشعاعات لآلئه وتتكامل في صورة بديعة.

1- مضامين الآيات البينات

فالقرآن الكريم كله آيات بينات، لقوله تعالى :

]الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ[ (يوسف:1)

خص الله منها نوعين من الآيات : المحكمات والمتشابهات.

أ- الآيات المحكمات :

تلك إذا أقسام، وبعد تعميق النظر وجدنا بأن الحق عز وجل فرق بين الآيات البينات وجعل في مقابلها الآيات المتشابهات، كما أبان بأن من المحكمات :

1- مَنْ هُنَّ أمّ الكتاب :

وهو الشيء الذي نقصده بالسنن الإلهية القرآنية (أو العهود الربانية)

]هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ[ (آل عمران:7)

إنها عهود الله التي لن تجد لها تبديلا ولا تغييرا ، ولا تحويلا.

2- ومَن هن آيات الأحكام لقوله تعالى:

]وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ[ (محمد:20)

وتناول التشريع آيات الأحكام واشتملت على أحكام العبادات والمعاملات ونظام الدولة وقانونها الدستوري والإداري والاقتصادي و…مما يتعلق بالنهوض بمهام الدولة وشؤونها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولنا عودة للموضوع في الجزء الثالث بحول الله.

ب- الآيات المتشابهات :

كما تشتمل المتشابهات على أوصاف الذات الربانية والأسماء الحسنى والصفات العلا لله جل جلاله، وتختص بجوانب العقيدة.

2- القصص القرآني

اشتمل القصص القرآني على عبر وعظات وتاريخ السابقين، ولم ينهج القرآن الكريم فيها المنهجية السردية على طريقة الأدباء، ولا اشتمل على قصة بمفهوم القصص لدى الروائيين باستثناء قصة يوسف عليه السلام، وإنما سعى لكشف تفاعل السنن الإلهية في واقع الناس لاستخلاص العبر والعظات بأن لا شيء يخرج عن عهوده الربانية والتي هي كلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر.

3 – الأمثال القرآنية:

جعل الله الأمثال كليات متكاملة حيث أبان جل علاه :

{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [89]} الإسراء

{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا

[84]} الكهف

{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ [58]} الروم

{وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا [39]} الفرقان

{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [27] } الزمر

تأبى هذه الآيات إلا التأكيد على أن أمثال القرآن كليات متكاملة كفيلة برصد كل نموذج . ومن هنا أضحت قوانين فيه الأمثال ترصد مجالاتها لتكون نبراسا للحق ومفتاحا لكل لغز وإشكال فقهي وتشريعي.

اقرأ كذلك

لماذا انساق الناس وراء الأسماء الله المفردة دون الأسماء المركبة؟‏

  لماذا انساق الناس وراء الأسماء الله المفردة دون الأسماء المركبة؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twelve + 1 =