الرئيسية / ثقافة عامة / الربانية والفهم عن الله / أسباب الابتلاء وفقه التحصين

أسباب الابتلاء وفقه التحصين

إن من أسماء الله جل جلاله { وإن كنا لمبتلين } ، مما يجعل الابتلاء سنة ثابتة ؛ والله جل جلاله إذا أراد أمرا هيأ له أسبابه ومن أسبابه يسلط رسله على من يشاء؛ والرسل هنا نكرة معرفه بهاء الضمير أي أنه سبحانه وتعالى يسلط الظالمين على بعضهم البعض كما وعد جل جلاله

{٦_١٢٩ وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ }

.وهكذا ندرك أن الظالمين هم أيضا جنود الرحمان يسخرهم على من يشاء من خلقه

جعل سبحانه وتعالى الأنبياء درجات ووهب كل منهم ما ميزه عن غيره من صفات ومواصفات ؛ وجعل سر التحصين مخصوصا بنبي الله موسى لكونه وعده وعهد إليه

{ ؛٢٠_٤٦ قَالَ لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}

وما كان هذا الأمر ليتم إلا لكونه علم موسى وأخاه الاستعاذة بالله من شر كل ذي شر ؛ فقد استعاذ موسى بالله من كل متكبر كما استعاذ به جل جلاله من رجم قومه ؛ فهذا عهد الله كما أنعم بهذه المكانة لنبي الله جل جلاله محمد صلى الله عليه وسلم حيث عصمه من الناس ، وكما أنار درب نوح عليه السلام ووعده بأن لا يأخذه بأس بما فعل قومه ؛ ؛ وهذا الواقع يشهد بما جرى لموسى وقومه مع فرعون هل أوفى الله بوعده وعهده واكتمل عليه الفضل بأن أخرج قومه من ذل العبودية للبشر إلى عبادة الله رب العالمين ؛ أم تسلط عليهم أحدا وحال بينه وبين مشروعه ؟

فالتربية القرآنية تنظر للقرآن بأنه كل لا يتجزأ ، وأن لا يستكمل المرء تربيته الإيمانية إلا إن شذبها وهذبها بأخلاق من سلكوا السبيل في نظرة متكاملة لا تناقض ولا تعارض يشمل رؤيتها. ولما كان القرآن مهيمنا على الكتب السابقة كلها جاءنا بما تكرم به على سيدنا موسى عليه السلام وما زادنا من لباس التقوى الذي يقي من أمر الله ؛ فكيف بأمر غيره ؟ ألآ له الخلق والأمر.

وقد يظن الظان أن بين الأمرين تناقض أو تعارض وأقول كلا إنه التشريع الرباني فمن ألهمه الله التحصن به أرشدهم إلى باب دربه ليلتحق بالرجال الذين تفضل عليهم المولى بالمواقف الصلبة التي لا تلين ولا تستكين ؛ ولا تعرف الركوع إلا لله جل جلاله ووعدهم بالنصر في كل موطن لكونهم تحققوا من خشية الله ووقفوا مواقف ترضيه

ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ 22 الحج

: فنظر إليهم بعين المرحمة وقال عنهم

{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } 41 فصلت

وأما الذين لم يتحصنوا به ولم تستكمل تربيتهم سبيلها بالرجوع إلى الله كلما حزبهم أمر فيسلط عليهم الفتن ليعودوا إليه ويتعوذوا به من شر خلقه

{ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }٣٠_٤١

فالله جل جلاله ليس بفرعون ليستعذب النظر إلى عباده وهم يعذبون في الدنيا ؛ وأما

:في الآخرة فيفضي كل إلى ما قدم من عمل ويعفو ربك عن كثير

٤_١٤٧ مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا

ومن هذه النصوص نستنتج أن من سلط عليهم العقاب والعذاب بما كسبت أيديهم

فهو سبحانه وتعالى يريد طهارتهم من جهة ، وكما يسلط عليهم رسله ليعودوا إليه ويتحصنوا به من سواه

ولا يقتصر الابتلاء على النقص من الأموال والأنفس والثمرات قد يكون الابتلاء بالخير سبيلا للإسراف والتبدير والخروج عن سبيل الله فتضحي النعمة تستوجب النقم والعذاب، كما قد يكون المرء عند البلاء بالخير من الشاكرين لأنعم الله  ؛فيزداد فضلا إلى فضله نعمة من الله الشكور الحليم ، والتحصين باب كرم  من المولى يعلمه لمن شاء من خلقه ويلهمه الإقبال عليه

: وأن فقه التحصين كمن في قوله تعالى :

{لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٌۭ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ

حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَال } الرعد 13

فالاستغفار شرع لرفع العذاب كما شرع التسبيح ليخرج الناس من الشدة والضيق إلى سعة رحمة الله فضلا عن كون التسبيح مع نوافل الصلاة سببا لإذهاب القنط والهم . ؛ والغم الذي بالصدور فضلا عن أذكار من حسبلة وحوقلة وحمدلة أثارهما الطيب كل في مجاله ووقته والمؤمن مطالب بمراعاة فرائض وقته وما تستوجبه عليه من استمطار الشكر والفضل من رب عزيز هاب.

فهل بان سبيل من استكملوا التربية وتلفعوا بحصن الله فوقاهم شر عباده وشر بلواه وبين من اعتز بغير الله ولم يستكن تحت ميزاب قدره ليمنحه من كرمه وفضله ما يشاء ؟ ليدرك بالتمام أن الفضل بيد الله يؤتيه من بشاء. كما أن العزة لله جميعا ، كتبها

لنفسه ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين لا غير فهل اتضح الأمر وذابت كل الشبهات ؟

اقرأ كذلك

أرضية اليقين

في رحاب تلك الربى تشرق شمس المعارف الكبرى مضيئة الأرجاء بنور ربها لتجلو كل غموض …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 2 =