الرئيسية / دراسات في السنن الإلهية / السنن الإلهية المعنى و التأصيل / فقه دفع البلاء عن المجتمع وركض الحكام أمام جماهير التغيير

فقه دفع البلاء عن المجتمع وركض الحكام أمام جماهير التغيير

يقول الحق سبحانه وتعالى:
{فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴿١٢﴾ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴿١٣﴾


هذه الدول العربية لم تدرس التاريخ، ولم تعرف كيفية استخلاص الدروس والعبر، ولم تفقه للتاريخ سننا، فكل رئيس يذهب في ركضه مذهبا لم يسبق إليه…

ركض بعد إحساس ببأس الله تجلى في ركوب فكرة الإقصاء، فضلا عن توظيف نظرية المؤامرة، وتحريك للشرطة توريطا لها في الأزمة، وإقحاما للجيش ليكون طرفا مساهما في نصرة الباطل ومعاكسة لإرادة شعبية، فضلا عن اعتراف بالتقصير ونية “جادة” في التغيير، أو درا لفتاة الموائد على العيون تسكينا لها عن مطالبة بحقها كله، وإسكاتا للراكنين لأبسط ما يمكن الوصول إليه.

ثم لما تشتد الأزمة تعطى الأوامر بتقتيل المتظاهرين، في محاولة لإرهابهم، ثنيا لعزيمتهم ونشرا للرعب بين الصفوف بالتصدي للمتظاهرين بالاعتقالات والاضطهاد، ونشر الرعب بالاختطاف والتعذيب في السجون، بل والقتل تحت التعذيب…

فوا عجبا من طغاة العصر وعدم اكتراثهم بمراد الله في كونه، فضلا عن عدم الالتفات حتى لمحاولة الفهم لسنن الابتلاء بالخير والشر فتنة:


{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} ﴿الأنعام: ٤٢﴾


ويا لقسوة قلوبهم وغطرستهم حين يعلمون بأن ما استداروا عنه وجوههم، من فقه لسنة الابتلاء، هو الذي طرق بابهم، فعمدوا للاستنصار بكل زبانيتهم ومن المؤسف جدا أن يكون من العلماء من انضووا تحت لوائهم ونصروا سبيلهم واستماتوا على دربهم.

لقد كان فرعون مع ما أوتي من قوة بأس وشدة معارضة لسبيل موسى عليه السلام، أفقه بكثير من علماء السلفية فضلا عن حكام عصرنا:


{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿١٣٤﴾} من سورة الأعراف


فرعون يدرك جيدا بأن الأولياء والأنبياء يتوسل بهم إلى الله، والسلفية تنفي التوسل بالمخلوقات، وكم من أدلة قرآنية وأحاديث نبوية تؤيد ذلك، وهم في غطرستهم يعمهون.

وفرعون يسعى إلى دفع الضر عن قومه، مدركا بأن لا مفر من أمر الله إلا من رحم، مبيتا نية سوء؛ والرب الرءوف بعباده الرحيم بهم يأبى إلا أن يستجيب لرفع الضر عن فرعون وقومه، رغم إدراكه مكرهم، فهو يريد استجابة دعائهم كي يقطع حجتهم، ويقيم عليهم البرهان:


{وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّـهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴿١٦﴾} من سورة الشورى


وزيغ العلماء والحكام من زيغ بعضهم بعضا. وهل نسمي علماء من يركن للظالمين، أو يركع لهم؟ فما كانوا علماء إلا بمعرفتهم لله، وانصياعهم لأوامره، وخضوعهم لجلاله.

فكيف يدرك الراكع للحاكم بأمره فلسفة الابتلاء بالشر والخير فتنة في دنيا الناس؟ وإذا لم يدرك هذا من تزينوا بطيلسان العلم، فكيف بالحكام المتغطرسين؟


{فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾} من سورة الأنعام


وحكام زماننا لا تجد من بينهم أحدا لا ينفي الظلم الحاصل في بلاده:

{فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٥﴾} من سورة الأعراف


لكن الوقوف عند الاعتراف بالذنب وعدم اتخاذ قرارات حاسمة في رجعة صادقة لله تدفع البأس لن تغني من عذاب الله شيئا:


{قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿١٤﴾ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ﴿١٥﴾} من سورة الأنبياء


فالقرآن يطالب الحكام بمراجعة لا بتراجع:


{ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴿١٢﴾ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ﴿١٣﴾} الأنبياء


لن يفيدكم اعتزاز بجيش ولا بشرطة ولا بمرتزقة؛ لكن ارجعوا إلى ما أترفتم فيه وإلى ما شيدتم من قصور، وما كدستم من أموال مهربة في الخارج، ومسخرة للصهاينة، وقبل أن تمتد أيدي رجال التغيير إليها، راجعوا أنفسكم وأرجعوا للشعب أمواله، لا بتجزيئها رشوة وفتات موائد، شراء لضمائر الخلق، وإنما باتخاذها أعمالا صالحة ترضي الرب ويرضي العباد عمن آمن وعمل صالحا.

رشوة، دأب الحكام عليها، وهذه روائحها تفوح بها ملفات المحاكم في الخارج… وأنى لموظف مقهور أن يدرك الفرق بين الرشوة والأجر؟

لا سبيل لرفع عذاب الله إلا بصلح مع الله وصلح مع الشعب المقهور في توبة نصوح بين يدي الله:

كلام لا يعقله إلا العلماء بالله. وضرب الله لنا مثلا بقوم يونس لما آمنوا رفع الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا:



{ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} ﴿يونس: ٩٨﴾


وللذين يستهويهم درب الاعوجاج، وتأخذ أنفتهم غطرسة الكبرياء، والعناد، ويعطون أوامرهم بتقتيل الخلق استخفافا بهم فليعلموا بأنهم لن يفلتوا من الله الأشد بأسا والأشد تنكيلا.

اقرأ كذلك

غاية سنة الله القرآنية

{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} باقتحامنا هذه الضوابط لسنة الله نضع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five × 5 =