الفقه بين التقليد والتجديد‏

ينطلق الفقهاء في فتاواهم وفق مدرسة تخرجهم فهناك المدرسة ” السلفية الجديدة “، تنطلق في فهمها للشرع على أنه مجرد نصوص ينبغي العمل بما صح منها – طبعا وفق ضوابطهم – فشعارهم “إذا صح الحديث فذاك مذهبي”. من هذه الرؤية تسربت الفتن بنظرة جزئية للنص ، ورأوا بأن كل مخالف لحديث بأنه مبتدع ويجب التصدي له. لا يراعون المعنى الأصولي للدليل، ولا المعنى لرؤية تكاملية للشريعة ومكانة كل نص على حده في منظومة التشريع.

ووقعت في التاريخ حروب غير معلنة بين المدرسة الأصولية ومدرسة المحدثين. ولا زالت الجامعات تحافظ على فصل بين المدرستين، رغم تجاوز إحن ومحن تلك الظروف.

الطائفة الثانية تمضي على مبدأ الفقه المقاصدي، فعليه تعتمد، ومنه لتصورها تستمد، فهي تراعي مآلات الأمور، ومقاصد الأفعال، تراعي الحديث المرجوح وإن صحت روايته، ولا تستند إليه، كما أنها تراعي الحديث المنسوخ وتتجاوز العمل به، وتعمل على التوفيق بين النصوص بفهم جامع، وكلي ما استطاعت لذالك سبيلا، وهذه المدرسة هي أس المدرسة السلفية للصحب الكرام ومن تبعهم بإحسان، ومن سلبيات هذه الفئة أنها رجحت العقل على النصوص ومنهجت الفقه المقاصدي وفق رؤية عقلانية، لا تمت للربانية بصلة. فنتج عن الفقه المقاصدي انحرافات دخلت علينا من باب المصالح.

وفي الغالب الأعم كل الفتاوى تصدر عن هذين المدرستين.

والحقيقة أن انحراف الفقه لم يأت إلا نتيجة سد باب الاجتهاد، ثم النوم العميق للفقه المذهبي، رغم ما نرى لبعض المتعصبين لهذا التيار أو ذاك، من مواقف تبدي يقظة أهلها وحراسة شريعة ربها.

وفي نظري أن المدرستين لم تأخذ بعين الاعتبار حكمة الحكيم في سن السنن لتكون لها منارا يستضاء به في حلك ليل العتمة.

وهكذا؛ تجاوز الأستاذ د. يوسف القرضاوي النصوص المحرمة للربا، -وتجاوزه هنا لا يعني تعديه على النصوص – وأباح التعامل بها في المغرب عملا بفتوى دول المهجر الذي استمد منه المغرب قوانينه.بدعوى المصلحة..

والحقيقة أن هذه الفتوى كانت ذات طابع سياسي لإحراج حكام المغرب، بمقارنته تعامل البنوك المغربية بمثيلتها في الدول الكافرة؛ والناس لا يفرقون بين فتوى عادية، وفتوى جاءت لظروف سياسية، ففي الوقت الذي أصدرت فيه الفتوى أقبلت الملايين من الخلق على البنوك الربوية؛ بعد أن ظلوا ممتنعين حقبة من الدهر…

لدى المدرستين: لا عمل بالكتاب كله وإنما ببعض آيات الأحكام من كتاب الله، وتركوا الباقي كأنه لا يعنيهم أو لا يهمهم. ومن هنا تسربت الانحرافات الفقهية عن جادة الصواب.

فحينما نعمد للتلمذة بين يدي رسول كريم جاءنا بالرسالة الربانية أول ما ينبغي لنا:

1- هو البحث عن كيفية إعمال الكتاب كله

2- ننظر فيما صح من أحاديث نقيسها بمقياس السنن الإلهية لتزكيها أو لتضعها خارج دائرة الأقوال النبوية

وعندئذ تكون الفتوى بمثابة مشكل يحل بعدة طرق: منها

1-سبيل الآيات البينات، وتؤكد نتيجتها

2-سبيل الأمثال والمواعيظ

3- والقصص القرآنية تأتي مكملة للسبيل الثالث ؛الذي يعرج عليه المفتي للتأكد من صدق السبيل وحقيقة النتيجة التي ارتجيناها من المفتي

والعمل بمقتضى السنن الإلهية هو في طوره الإنشائي ويسعى جاهدا لبزوغ بوجه مشرق بين فتاوى ملها الناس وضيقت على العباد…

الناس في مراتب الإيمان بالقرآن درجات متفاوتة، وأن ما يميزهم فيما بينهم، 1- درجات اليقين على كتاب الله ؛2-ودرجات التقوى.

كما أن الناس أيضا مراتب في الفهم، والفهم فقه يؤتيه الله من يشاء؛ فمن ألف التقليد، لا يستطيع الانفكاك منه؛ وانظر إلى فقهاء أتباع المذاهب وتحديهم لكل مجتهد بنفيهم بأن لا إمام بلغ درجة الاجتهاد المطلق بعد الأئمة الأربعة، كأن فضل الله حجروه على الأئمة الأربعة وانتهى الأمر.
والناس همم متفاوتة، وفضل الله لا يحجر؛ والله أعلم بأهل التكريم الرباني {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }[الأنعام : 83]؛

اتفق السلف الصالح ( أي الصحب الكرام ومن تبعهم بإحسان) -دون السلفية الجديدة- بأن في الأمور المتعلقة بالله جل شأنه يتعاملون معها من غير تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل. بناء على قوله تعالى{هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [آل عمران : 7]

إنه مجرد ابتغاء التأويل هو بيان يكشف سبيل المنحرفين؛ وقرأت لبعض مشايخي أن هناك قراءة تقف عند الراسخون في العلم{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ولم أكن يومها متمكن من القراءات، ولم أعثر على هذه القراءة ضمن القراءات العشر الصحيحة المتواترة أو حتى في القراءات الأربع الشواذ.

ومن جهة أخرى فما أجرأ الناس على الكلام في ذات الله؛ وفي صفاته، وفي أسمائه، فضلا عن سوء الأدب بالمخالفة الشرعية بضرب الأمثال لله سواء من قبل السلفية الجديدة، أوحتى كبار رجال الصوفية حيث كانوا يطلقون على الله مجازا أسماء نساء كليلى وسعدى وغيرهما…نعتاى الله عن ذلك علوا كبيرا.

يتساءل أهل التأويل هل ترى الله يخاطبنا بما لا ندرك؟ وهل هذا يقبله عقل؟

وصدق الإمام علي بن أبي طالب حيث قال : [ لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه] الراوي: علي بن أبي طالب المحدث: أبو داود – المصدر: سنن أبي داود – الصفحة أو الرقم: 162
خلاصة حكم المحدث: سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح].

وتتبعت أكثر التأويلات فيما يتعلق بالذات الإلهية فخلصت بأنها انحراف في انحراف.

والكلام عن التأويلات أمور كانت غيب في زمن الصحب الكرام هي شهادة ويقين في زماننا وأنظر – حفظك الله – كيف استطاع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم تبيين هذا للناس؛ بل إن سؤال الناس في وقتنا الراهن عن هذه المخترعات هو إحدى المعجزات النبوية روى البزار والطبراني في الكبير من حديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [سترون قبل أن تقوم الساعة أشياء ستنكرونها عظاما تقولون هل كنا حدثنا بهذا، فإذارأيتم ذلك فاذكروا الله تعالى واعلموا أنها أوائل الساعة]

كما أن كل أصناف المخترعات من المركوبات كيف تجلت في عبارة واحدة في قوله تعالى {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج : 27] وهذه العبارة الجميلة “ضامر ” كيف شملت كل المركوبات من طائرة وقاطرة، وشاحنات، ومركبات وسيارات، وسفن…

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل : 8]

وفي قوله تعالى:
{وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس : 41]وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس : 42]}

وهذا ابن عباس رضي الله عنهما ينظر للمستقبل من شفوف رقيق ونظرته تخرق الزمن ليخبرنا : “وخلقنا سفنا أمثال تلك السفن يركبونها “

وهذا إخبار الحبيب المصطفى كأنه رأي العين: روى الإمام أحمدفي مسنده؛ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشبه الرجال ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف ألعنوهم فإنهن ملعونات]

وإذا أضفنا السروج إلى أمثال الفلك وهي أشياء لها شكل الكرة المدحوة تشبه شكل الصفرماذا كان ينقصه من الحديث عن وصف السيارة والمراكب كلها؟

وكم من الإشارات العلمية في القرآن تنتظر من يلتقطها دررا هدية من رب العالمين؟

وكم من الآيات البينات كذَب بها الأولين أضحت حقائق علمية لا مناص منها عند الخاص والعام، لقد كذبوا بما لم يحيطوا به علما، ولم يأتهم تأويله؟

وها نحن لا زلنا نتمسك بقولة لصحابي جليل بأن لكل بلد رؤيته؛ ونترك أصح صحيح كتاب الله وقد حثنا بأن الشمس والقمر حسبانا أي حساب : {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [الأنعام 96  [ :  ولم تعد الدراسات الفلكية كهنوتا بل حسابات علمية دقيقة لا تجد بين ما ينشر في شأن ولادة الهلال أكثر من دقيقة ودقيقتين بين كل من ابريطانيا وفرنسا وأمريكا.

وبعد هذه الإشارات العلمية فما قولنا بمن يكذب بالشيء دون أن يبلغه تأويله؟ أليس هذا من قال الله في شأنهم {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة : 82].

ورحم الله قولة الرئيس ابن سينا حين قال:ما معناه ” كل شيء طرق العقل فذره في دائرة الإمكان حتى يذدك عنه صريح البرهان.”

لذا وجب تعليم الناس بصغر العلم قبل كباره، إنها سنة التدرج للعقول كي تتفتح رويدا رويدا، وإذا أراد الله أمرا هيأ له أسبابه : 
{ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ }[الأنعام : 89]

اقرأ كذلك

أزمة منهاح في الفتوى‏

كلما عرضت على الأمة مشكلة فقهية تصدى لها فقهاء بما أخذه الله عليهم من عهد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen + 11 =