شرع من قبلنا أهو شرع لنا ؟
9 مارس، 2013
السنن الإلهية والدراسات الفقهية والأصولية
2,795 مشاهدات
1- استعراض بعض أقوال العلماء في المسألة :
1- قال محمد الأمين بن المختار الشنقيطي :
” شرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه هل هو شرع لنا ؟ وهل كان النبي صلى الله عليه وسلم متعبدا قبل البعثة باتباع شريعة من قبله ؟
فيه روايتان :
إحداهما : أنه شرع لنا اختارها التميمي وهو قول الحنفية.
الثانية : ليس شرعا لنا, وعن الشافعي كالمذهبين.
اعلم أولا كونه متعبدا بعد البعثة بشرع من قبلنا أو غير متعبد به متفرع على الاختلاف في شرع من قبلنا، فعلى أنه شرع لنا بعد وروده في شرعنا فهو مُتَعَبِّدٌ به وعلى العكس فلا.
وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا الأصل أن فيه قولين, ورجح أنه شرع لنا إن ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا ولم ينسخ في شرعنا, وهو مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة.
ومشهور مذهب الشافعي : أنه ليس شرعا لنا، وحاصل تحرير هذه المسألة أن لها واسطة وطرفين، طرف يكون فيه شرعا إجماعا, وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعا, وواسطة هي محل الخلاف المذكور.1
– أما الطرف الذي يكون فيه شرعا لنا إجماعا فهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا ثم ثبت بشرعنا أنه شرع لنا كالقصاص فإنه ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا في قوله تعالى :
{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } 2.
ثم صرح لنا في شرعنا بأنه شرع لنا في قوله تعالى :
{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} 3.
– أما الطرف الثاني الذي يكون فيه غير شرع لنا إجماعا فهو أمران:
أحدهما ما لم يثبت بشرعنا أصلا كالمأخوذ من الإسرائيليات.
الثاني ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لهم وصرح في شرعنا بنسخه كالأصر والأغلال التي كانت عليهم كما في قوله تعالى :
{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } .
وقد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ :
{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} . ”
قال -الله- قد فعلت “3
الواسطة هي ما ثبت بشرعنا أنه شرع لمن قبلنا ولم يصرح بنسخه في شرعنا.
وحجة الجمهور أنه ما ذكر لنا في شرعنا إلا لنعمل به سواء علينا أكان شرعا لمن قبلنا أم لا. وقد دلت على ذلك آيات كثيرة : كتوبيخه تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية كما في قوله تعالى :
{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}4.5
2- وقال الزنجاني :
شرع من قبلنا ليس شرعا لنا عند الشافعي لقوله تعالى :
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} .
والبرهان القاطع فيه : أن أصحاب الرسول (رضوان الله عليهم ) كانوا يترددون في الحوادث بين الكتاب والسنة والاجتهاد وكانوا لا يرجعون إلى الكتب المنزلة على الأنبياء والمتقدمين.
ونقل عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال : ما حكاه الله تعالى في كتابه من شرائع الماضين فهو شرع لنا, إذ لا فائدة من ذكره إلا الاحتجاج به ويدل عليه قوله تعالى :
]{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}[ 7.
{إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا}.
ويتفرع عن هذا الأصل مسائل :
منها إذا نذر ذبح ولده لم ينعقد عن نذره عندنا. إذا لا أصل له في شرعنا وينعقد عندهم, تمسكا بقضية الخليل عليه السلام.
ومنها أن الأضحية غير واجبة عندنا لانتفاء مدارك الوجوب فيها. وعندهم تجب لقوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السلام :
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ } .
والأمر في شرعهم أمر في شرعنا.3
3- وقال الشيرازي 4 :
” شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه “.
– وقال بعض أصحابنا : شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
– ومنه من قال : شرع إبراهيم خاصة شرع لنا, وما سواه ليس بشرع لنا.5 وعلق حسن هيتو على قول الشيرازي بقوله: 6″ رجع الشيرازي عن رأيه هذا في اللمع7 فاختار فيها طريقة الجمهور من الشافعية والمتكلمين, فقال بعد أن ذكر الخلاف في المسألة وعلى أي الشرائع كان متعبدا : ” والذي نصرت في التبصرة أن الجميع شرع لنا إلا ما ثبت نسخه. والذي يصح الآن عندي أن شيئا من ذلك ليس بشرع لنا “.
وإلى القول بشرع من قبلنا شرع لنا ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الراويتين عنه, وجمع من أصحاب الشافعي, وجمهور المالكية, وأكثر الحنفية ومنهم الشيخ أبو منصور الماتريدي, والقاضي أبو زيد الدبوسي, وشمس الأئمة السرخسي, وفخر الإسلام البزودي, ومن المتأخرين ابن الهمام وابن الحاجب في المنتهى والمختصر.
والقائلون بأنه شرع لنا اختلفوا :
فقيل مطلقا ما لم ينسخ.
وقيل : شرع لنا فيما لم يثبت انتساخه على أن ذلك شريعة لنبيـــنا.
وقيل : شرع لنا إن لم ينسخ وثبت بالقرآن أو بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بنقل أهل الكتاب وأقوال العامة؛ لأن الكتب السماوية القديمة قد حرفت.
أما القائلون بأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا :
– فالمعتزلة منعت منه عقلا وقالوا باستحالته.
– وذهب غيرهم إلى أنه ممتنع شرعا. وعليه الإمام الغزالي والآمدي وأبو بكر الباقلاني والإمام الرازي.
أما القائلون ببعض الشرائع أنها شرع لنا وما سواه ليس بشرع لنا : فمنهم من قال:
– شرع إبراهيم خاصة شرع لنا وما سواه ليس بشرع لنا.
– شرع موسى شرع لنا إلا ما نسخ بشريعة عيسى عليه الصلاة والسلام.
– شريعة عيسى شرع لنا دون غيره.
4- وقال الشيخ محمد أبو زهرة :
شرع من قبلنا من الشرائع السماوية أهو معمول به في الإسلام إذا لم يقم دليل على نسخ الإسلام لذلك الحكم, أم أنه لا يؤخذ به كأصل قائم بذاته, ولا بد قبل أن نذكر قبل بيان خلاف العلماء في هذا المقام أمورا ثلاثة :
أولها: أن أحكام شرع من قبلنا لا تتعرف من غير المصادر الإسلامية, فلا عبرة بالنقل من غير هذه المصادر لأنه لا حجة في النقل عند المسلمين إلا المصادر الإسلامية ذاتها, وذلك باتفاق فقهاء المسلمين.
الأمر الثاني : أن ما يثبت بالدليل الإسلامي على أنه نسخ فإنه لا يؤخذ به, وكذلك ما قام الدليل على أنه كان خاصا بالأقوام الذين شرع لهم فإنه لا يسري في الإسلام, كتحريم بعض أجزاء من اللحوم على بني إسرائيل وذلك بالاتفاق أيضا.
الأمر الثالث : أن ما ثبت بالنص الإسلامي أنه مقرر في الإسلام كما كان مقررا في الأديان السماوية السابقة, فهو ثابت بالنص الإسلامي, لا بالحكاية عن السابقين, ومن ذلك قوله تعالى :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
وموضع النظر والخلاف بين العلماء هو ما جاءت به المصادر الإسلامية على أنه كان شرعا في الشرائع السماوية السابقة ولم يوجد دليل على بقائه, ولا دليل على إنهائه من سياق النص نفسه, وذلك مثل قوله تعالى :
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ}.
وإن هذا الجزء موضع خلاف بين الفقهاء, فنقل عن بعض الحنفية وبعض المالكية, وبعض الشافعية والحنابلة, أن يكون لنا شرعا, ويكون أصلا قائما بذاته, وذلك لأن الأصل هو وحده الشرائع السماوية كما قال تعالى :
{شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } .
ما تلونا من قبل, وإذا كانت الشرائع في الأصل واحدة فهي ثابتة على الجميع, إلا ما قام الدليل فيه على أنه شريعة وقتية لأمة من الأمم أو على نسخه في شريعتنا, فإن لم يقم هذا الدليل فإن حكم الأصل فيه ثابت.
وفوق هذا فقد وردت نصوص بالإقتداء بالأنبياء السابقين, فقد قال تعالى :
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ } .
{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } .
ولذلك استدل الحنفية على قتل المسلم بغير المسلم بقوله تعالى :
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
هذا رأي فريق من الفقهاء, ورأي فريق آخر من الجمهور أنه لا يكون شرعا لنا, لأن الأصل في التفصيلات الشرعية للشرائع السابقة أنها لم تكن أحكاما عامة صالحة لكل زمان ومكان, كالشريعة التي جاء بها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ومصداق ذلك قوله تعالى :
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} .
فشريعة محمدصلى الله عليه وسلم شاهدة على بقاء الشرائع السابقة أو عدم بقائها, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :
{ َكَانَ النَّبِيُّ إِنَّمَا يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً }3
وإن ما ورد من الإقتداء والوحدة إنما هو في أصل الأحكام الدينية كالتوحيد والإيمان بالملائكة واليوم الآخر والبعث والنشور.
وفي الحق إني أكاد أقرر أن هذا الخلاف ليس ذا موضوع. فإنه ما من أمر قرره القرآن أو ذكرته السنة على أنه كان حكما شرعيا لبعض من سبقونا واختصوا به, إلا كان معه ما يدل معه على الخصوصية لمن شرع لهم كما في قوله تعالى :
{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا …} 4.
ما تلونا من قبل, أو يفيد بقاء الحكم عاما لكل الأزمنة, كآية القصاص فإن النص قد أيد بقوله صلى الله عليه وسلم :
[ النفس بالنفس إن هلكت ]5.
فإنه بالاستقراء للنصوص القرآنية والأحاديث لا يوجد نص فيه حكاية عن السابقين إلا كان فيه ما يدل على الخصوصية أو العموم, وإذا كان لا يوجد نص خال من الدلالة على التعميم أو التخصيص, فإن الخلاف ليس له موضوع يجري فيه, إذ أن ما قام الدليل فيه على التخصيص ليس بحجة بالاتفاق, وما قام الدليل على التعميم الحجة فيما يدل على التعميم. والله أعلم.
2- تعقيب على أقوال الفقهاء
يستخلص مما سبق أن مسألة شرع من قبلنا تضاربت فيها الآراء :
فمن قائل أنها شرع لنا ما لم ينسخ منها, وبه قال جمهور المالكية وأكثر الحنفية, وبه قال أحمد في إحدى الراويتين.
ومن قائل بأنها ليست بشرع لنا, وهو قول الجمهور.
وفي مدلهمات الأمور وعند اضطراب الخطوب تأتي السنن الإلهية وفي حدها الحد بين الحق والباطل.
أ- ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيارة من أمرهم؛ وقد بيّن الله جل جلاله سبحانه وتعالى :
{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ[83]وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [84] وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [85] وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [86] وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [87] ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [88] أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين [89] أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [90]} الأنعام
أبان الله عز وجل في هذا السرد التقسيمي لجملة من الأنبياء بأن سبيلهم هو هدى الله:
{ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [88]} الأنعام
كما أكد ذلك بقوله تعالى:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [90] } الأنعام
وبهذا أقول ما ثبت لدينا بنصوص الكتاب والسنة أنه شرع لمن قبلنا فهو شرع لنا ما لم يأتنا ناسخ لذلك الحكم في شرعنا.
ب- السنن الإلهية و شرع من قبلنا :
1- عرض الإشكال في شرع من قبلنا :
ترى ما موقف السنن الإلهية وكيف تحسم في الخلاف ؟ ألصالح الفريق الأول أم على العكس لصالح قول الجمهور؟
2- شرع من قبلنا تحت مجهر السنن الإلهية :
?- سنة الله في الإيمان ببعض الكتاب :
ندرك لأول وهلة أننا مطالبون بالإيمان بالكتب السماوية كلها, كما أننا مطالبون بالإيمان بالقرآن كله و ليس ببعضه دون بعض, و من سنن الله جل وعلا في الإيمان ببعض الكتاب دون بعض :
{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [85]} البقرة
.
وعلى قول أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا ألم نكن قد أنكرنا بعض القرآن؟ وإذا اتضح هذا، يبقى الكلام مع المتمسكين بقوله تعالى :
{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [48]} المائدة .
لنفحص وجه الترابط بين الشرائع.
?- سنة الله في ترابط الشرائع و تسلسلها:
أخذ الله جل شأنه على كل الأنبياء السابقين العهد بالإيمان والنصرة لآخر نبي أرسل في قوله عز وجل :
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ [81]} آل عمران
ففي هذا العهد دليل على تدرج الأحكام بين الشرائع وأن العمل بالشريعة السابقة يتوقف عند مجيء شريعة سماوية أخرى، و قد انتهت هذه الشرائع بخاتمة الرسالات، و لم تبق شريعة نحاسب بمقتضاها إلا شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
و بموجب هذا القول فكل ما جاءنا من الشرائع السابقة في غير القرآن لا يعد حجة؛ لكون الكتب السابقة قد حرفت وامتزج فيها الحق بالباطل, وأمرنا أن لا نصدق أن تلك الكتب في حالها الراهن بأنها من عند الله بكاملها, كما لا يمكن أن نجزم بتصديق أو برد نص منها إلا بدليل خشية التقول على الله أو تكذيب لكلام الله.
فكل ما جاءنا خارج كتاب الله من الشرائع السابقة لا يعتد به. وعليه ننهي الجدل مع القائلين بأن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، لما تبين لنا أننا ملزمون بالإيمان بالكتاب كله، و تضمن القرآن بعض هذه الشرائع كما قص علينا قصص الغابرين.
ونفي كون هذا الجزء من القرآن تشريعا يفضي بنا للقول بعبثية وجوده وعبثية الإيمان به وهو ما لا يقول به مسلم, فأحرى أن يقول به حبر من أحبار هذه الأمة.
هل بان خطأ قول القائل : شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
ولئن خلصنا من النقطتين السابقتين أننا مطالبون بالإيمان بالكتب السماوية كلها، ولم تبق من حجة قائمة إلى يوم الدين بين يدي رب العالمين على خلقه إلا القرآن الكريم، فهذا صحيح لا ريب فيه، ولكن علينا أن نفحص نصوصا قد توضح لنا غير ما توصلنا إليه، وما أخذنا إليه الاعتزاز بمبدئنا وحبنا لنصرة قرآننا، والتعصب للحق واجب، ما لم يتضح لنا بقوة بالبرهان عكسه؛ وما جاء هنا من يقين يشهد له قوله تعالى:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [68] } المائدة
وقد يبدو هذا الكلام نهجا مستقيما، وسبيلا وسطا؛ لكنه يحتاج إلى براهين تؤكده أو قد تبيّن جوانب خفية علينا تتبع مسارها؛ ولنلمس النصوص التالية:
{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ [43]} القمر
{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [93]} آل عمران
للسائل أن يسأل لماذا يأتي هنا الاحتكام للتوراة لتكون الفيصل في الدعوى؟ أليس الاحتكام للمنسوخ عبث؟
{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [43]} المائدة
تساؤلات قد يأتي موضوع : “هل القرآن ناسخ للكتب السابقة أم موقف للعمل بمضمونها” ليجيب عنها؟