الفهم عن الله : مقدمة 4

كيفية الفهم عن الله
ينطلق الفهم عن الله من خلال قراءة سننية تنبثق خيوطها من عهود ربانية – لمجريات الأمور الدنيوية بحثا عن مراد الله في كونه، فضلا عن مطالعة واجب العبودية لله وما تقتضيه في كل آن.

يأخذ القرآن الكريم بأيدي فهمنا إلى هذا السبيل برفق تغمره الرحمة القلبية، والحكمة العقلية؛ لتتفتح حقائق الكون علينا تفتح الوردة من آكامها… فترسم ابتسامة على الشفتين لما بهرهما من جمال الخلاق العليم، فضلا عن تنسم روائح يستلذها العقل السليم، وتنتشي بأريجها العاطفة الجياشة، ثم تخشع لها الجلود والجوارح وتلين إلى تسبيح الله وتعظيمه، شكرا لما وهب،

يقول الله جل جلاله:

{فَٱنظُرْ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ } الروم50

فالأمر بالنظر اقتضى مراعاة آثار رحمة الله كيف كانت الأرض جدباء قاحلة، فأنزل الله عليها المطر فاهتزت ونمت وترعرع فيئها، وأنبتت من كل زوج بهيج؟

ترى من حولها من يابسة إلى حدائق ذات بهجة؟ من حولها من موت إلى حياة؟ وما السبيل إلى حياة العقول بالفكر الرباني النير بنور القرآن:

{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌۭ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ [46] } الحج

من يقف موقف التدبر والتذكر في آلاء الله، في الأرض والسماء؟

سير في الأرض يطلق العقول من عقالها، ويفجر ينابيع الحكمة فيها، لتستخلص حكمة الحكيم من كل ما وقع في دائرة إحساسها سواء من سمع أو بصر أو ما خطر بفؤادها.
تصفح للأشياء في محاولة إدراك لحكمة الحكيم سبحانه وتعالى في كل شيء، لينفصل المؤمن عمن وصفهم ربهم بقوله:

{وكأي من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} [ يوسف : 105]

إنها لحظة الإقلاع الفكري, واليقظة القلبية، في تنبه ذهن بحكمة عقلية ورحمة قلبية؛ بل هي بطاقة انتماء لحزب الله الغالب باستعماله لكل قوى الكون تسخيرا لها في خدمة الحق ونصرته ورفع لوائه.

بينما يقبع الملاحدة الدهريين في ستر الغفلة والتخفي عما يقلق راحتهم النفسية ولو إلى حين ليبحروا بعيدا عن أسئلة تقض المضجع : من أين؟ وإلى أين؟ ولم الحياة والجهد الجهيد إن يعقبه هادم اللذات؟

وما بين الإغراق في الملاهي والملذات وسبل الغفلة – تخميرا للعقل عن الخوض في مالا يدرك كنهه إلا بالإرشاد والتوجيه الفكري من مصادر الحق واليقين : الكتاب والسنة -. وبين الحياة القلبية والفهم عن الله في الكون والآفاق والأنفس خطوة لا غير.

خطوة يخطوها المرء بعيدا عن واقعه ومألوفاته وعاداته يسلك فيها مسلك من ارتحل من واقع لآخر, لا يدرك له معنى ولا لمبادئ أصحابه ارتباطا منهجيا ولا مغزى فهو يتصفح الوجوه والأشياء تصفح الصبي للغريب يكتشف ملامحه ويختبر لطفه وحزمه.

خطوة تتلوها خطوات وسير وضرب في الأرض لقطع علائق الماضي المنقطع عن الله، وعن الفهم عنه، والارتباط بنظام الحياة ومنهجية الكون والآفاق في خضوع وذلة بين يدي جبار السماوات والأرض, ورحمان الدنيا والآخرة.

ترى الكل ينظر للواقع بعينين منفتحتين وكأنها لا تبصر الحقائق الربانية التي ملأت الأرض والسماء:

{وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَيٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [198] } الأعراف

ذلك لخلل التبس على العين، ويوضح الكتاب السبب:

{فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُۥ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ [42] وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍۢ كَٰفِرِينَ [43]}النمل

رأت النبي سليمان وما رأت تجليات أنواره، لما صدها كفرها عن إدراك أشياء واقعية ملموسة ومحسوسة من قبل آخرين.

{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌۭ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ [46 ] } الحج

جميل هذا التسلسل الفكري لبيان الحقائق الربانية، ولا ريب، فالخطاب هنا خاص لمن تفتقت أعين إيمانهم تصديقا بكتاب الله وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وليس هذا البيان بكاف حتى نلمس منهجية القرآن الكريم في النظر إلى المخلوقات

اقرأ كذلك

أقصر طريق للفوز بين يدي الله

تنبثق سبيل الله القرآنية من توجيهات نيرات تربوية ربانية للدلالة على أقصر طريق الفوز والتي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

10 + eight =