أهمية الفهم عن الله
القول على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ضلال وانحراف فكر وتيه السبيل. يبين لنا الجليل جل جلاله قول بني إسرائيل:
{وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [76] أَوَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [77]} البقرة
فجهلهم بعلم الله بما يتواصون به في مؤامرتهم ضد المؤمنين، جعلهم يتمادون في حيلتهم، وتخيلهم بعدم معرفة الله بما يقولون وما يفعلون و، ومن هنا فضلا عن اتهامهم لله بقولهم :
{ وَقَالَتِ الۡيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغۡلُولَةٌ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنۡهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَانًا وَكُفۡرًا وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ الۡعَدَاوَةَ وَالۡبَغۡضَآءَ إِلَى يَوۡمِ الۡقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوۡقَدُوا۟ نَارًا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا اللّهُ وَيَسۡعَوۡنَ فِى الأَرۡضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الۡمُفۡسِدِينَ [64] } المائدة
وقالوا أيضا:
{لَّقَدۡ سَمِعَ اللّهُ قَوۡلَ الَّذِينَ قَالُوا۟ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآء سَنَكۡتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتۡلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيۡرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ الۡحَرِيقِ [181] } آل عمران
ونظرا لكل سوء فهمهم وسوء معاملتهم لله جاء الحكم الرباني:
{وَذَلِكُمۡ ظَنُّكُمُ الَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَاكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنۡ الۡخَاسِرِينَ[23] } فصلت
ولم يقتصر بيان الله لسوء الأدب معه على بني إسرائيل بل شمل المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين يظنون بالله ظن السوء
{وَيُعَذِّبَ الۡمُنَافِقِينَ وَالۡمُنَافِقَاتِ وَالۡمُشۡرِكِينَ وَالۡمُشۡرِكَاتِ الظَّآنِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوۡءِ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ السَّوۡءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَ وَسَآءتۡ مَصِيرًا [6]} الفتح
فإذا كان سوء الظن الناتج عن عدم معرفة الله ومعرفة أفعاله يوقع في الخسران كان من اللازم على المؤمن ركوب مركب معرفة الله للنجاة بين يديه وللفوز العظيم الذي يقابل الخسران المبين للكافرين والمنافقين والمشركين.
وما أكثر إساءة المؤمن ظنه بربه، لما يخالطه سوء فهم لأفعال ربه:
ومن التفسير الميسر أقتبس هذه الموعظة والتي لا يخلو أحدنا فيها من اتهام ربه:
{فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) } الفجر
فأما الإنسان إذا ما اختبره ربه بالنعمة, وبسط له رزقه, وجعله في أطيب عيش, فيظن أن ذلك لكرامته عند ربه, فيقول: ربي أكرمن.
{وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ( 16 ) } الفجر
وأما إذا ما اختبره, فضيَّق عليه رزقه, فيظن أن ذلك لهوانه على الله, فيقول: ربي أهانن.
{كَلا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) الفجر
ليس الأمر كما يظن هذا الإنسان, بل الإكرام بطاعة الله, والإهانة بمعصيته, وأنتم لا تكرمون اليتيم, ولا تحسنون معاملته, ولا يَحُثُّ بعضكم بعضًا على إطعام المسكين, وتأكلون حقوق الآخرين في الميراث أكلا شديدًا, وتحبون المال حبًا مفرطًا.
{كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى( 23 ) } الفجر
وهذه لوحة أخرى لسوء ظن المرء بربه :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( 9 )} الأحزاب
يا معشر المؤمنين اذكروا نعمة الله تعالى التي أنعمها عليكم في « المدينة » أيام غزوة الأحزاب – وهي غزوة الخندق- , حين اجتمع عليكم المشركون من خارج « المدينة » , واليهود والمنافقون من « المدينة » وما حولها, فأحاطوا بكم, فأرسلنا على الأحزاب ريحًا شديدة اقتلعت خيامهم ورمت قدورهم, وأرسلنا ملائكة من السماء لم تروها, فوقع الرعب في قلوبهم. وكان الله بما تعملون بصيرًا, لا يخفى عليه من ذلك شيء.
{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا ( 10 ) } الأحزاب
اذكروا إذ جاؤوكم مِن فوقكم من أعلى الوادي من جهة المشرق, ومن أسفل منكم من بطن الوادي من جهة المغرب, وإذ شخصت الأبصار من شدة الحَيْرة والدهشة, وبلغت القلوب الحناجر من شدة الرعب, وغلب اليأس المنافقين, وكثرت الأقاويل, وتظنون بالله الظنون السيئة أنه لا ينصر دينه, ولا يعلي كلمته.
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ( 11 ) }الأحزاب
في ذلك الموقف العصيب اختُبر إيمان المؤمنين ومُحِّص القوم, وعُرف المؤمن من المنافق, واضطربوا اضطرابًا شديدًا بالخوف والقلق; ليتبين إيمانهم ويزيد يقينهم.
{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ( 12 )} الأحزاب
وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم شك, وهم ضعفاء الإيمان: ما وعدنا الله ورسوله من النصر والتمكين إلا باطلا من القول وغرورًا, فلا تصدقوه.
{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا ( 13 ) } الأحزاب
واذكر – أيها النبي- قول طائفة من المنافقين منادين المؤمنين من أهل « المدينة » : يا أهل « يثرب » ( وهو الاسم القديم « للمدينة » ) لا إقامة لكم في معركة خاسرة, فارجعوا إلى منازلكم داخل « المدينة » , ويستأذن فريق آخر من المنافقين الرسول صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى منازلهم بحجة أنها غير محصنة, فيخشون عليها, والحق أنها ليست كذلك, وما قصدوا بذلك إلا الفرار من القتال.
{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا ( 14 ) } الأحزاب
ولو دخل جيش الأحزاب « المدينة » من جوانبها, ثم سئل هؤلاء المنافقون الشرك بالله والرجوع عن الإسلام, لأجابوا إلى ذلك مبادرين, وما تأخروا عن الشرك إلا يسيرًا.
{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ( 15 ) } الأحزاب
ولقد كان هؤلاء المنافقون عاهدوا الله على يد رسوله من قبل غزوة الخندق, لا يفرُّون إن شهدوا الحرب, ولا يتأخرون إذا دعوا إلى الجهاد, ولكنهم خانوا عهدهم, وسيحاسبهم الله على ذلك, ويسألهم عن ذلك العهد, وكان عهد الله مسؤولا عنه, محاسَبًا عليه.
ما هكذا ينبغي أن يكون حالكم. فإذا زلزلت الأرض وكَسَّر بعضُها بعضًا, وجاء ربُّك لفصل القضاء بين خلقه, والملائكة صفوفًا صفوفًا, وجيء في ذلك اليوم العظيم بجهنم, يومئذ يتعظ الكافر ويتوب, وكيف ينفعه الاتعاظ والتوبة, وقد فرَّط فيهما في الدنيا, وفات أوانهما؟
عرضت هذين اللوحتين حتى لا يتأتى لمؤمن أن يزكي نفسه ويرفعها عن سوء ظنه بربه إلا إن كان لأفعال ربه من الموقنين وللفهم عن ربه من المتمكنين.
فهل بانت أهمية الفهم عن الله وانجلى الغبار عنها، وبدت الحاجة إليها؟
ما هكذا ينبغي أن يكون حالكم. فإذا زلزلت الأرض وكَسَّر بعضُها بعضًا, وجاء ربُّك لفصل القضاء بين خلقه, والملائكة صفوفًا صفوفًا, وجيء في ذلك اليوم العظيم بجهنم, يومئذ يتعظ الكافر ويتوب, وكيف ينفعه الاتعاظ والتوبة, وقد فرَّط فيهما في الدنيا, وفات أوانهما؟
الأستاذ محمد جابري الموقع الرسمي