الرئيسية / دراسات في السنن الإلهية / السنن الإلهية والدراسات الفقهية والأصولية / هل القرآن الكريم كتاب تشريع أم كتاب سرد للتاريخ ؟

هل القرآن الكريم كتاب تشريع أم كتاب سرد للتاريخ ؟

انقسم علماؤنا رحمهم الله بين :
– مؤيد لكون شرع من قبلنا شرعا لنا؛
– ناف لكون شرع من قبلنا شرعا لنا؛
– من وقف موقفا وسطا بين هؤلاء و أولئك؛

وذب ابن حزم بما أوتي من عريضة بيان عن شرع من قبلنا بأنه ليس شرعا لنا, إلا ملة إبراهيم عليه السلام, وقد خص الموضوع ببحث مستفيض غاص فيه في جل ما قيل بأنه شرع لنا, وأجاب وأجاد فيما طرحه.
وحين تتعدد الآراء و تتضارب, يجد دعاة ” التأويلية2″ أو”الهرمينوطيقا ” – كما يحلو للبعض تسميتها- الفرص السانحة للإطلالة برؤوسهم و كأنهم حاملو المشعل في دجى الظلام.
وتأبى السنن الإلهية إلا أن تكون كلمة الله هي العليا فأنى لفكر وضعي أرضي أن يطاول علو كلمات الله التامات؛ إذ نورها الوهاج لما يلقي الضوء على أمر من الأمور فجموع المعترضين تستكين وتنقبض وتعزم على ترديد قولة فرعون لما أدركه الغرق :

{آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [ يونس : 90]

لكون الله قهارا و قد جعل كلماته هي العليا و كلمة الذين كفروا السفلى, ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
والمتمعن في السنن الإلهية القرآنية يجدها قانونا, وسنة متبعة, تزيده ثقة بربه, وتبعده عن التيه.

ويتبادر إلى الذهن سؤال جوهري :

– هل القرآن الكريم كتاب تشريع أم كتاب سرد للتاريخ ؟

1- بين السنن الإلهية والتاريخ :

جاء القرآن الكريم ليقرر السنن الإلهية ويجعلها ضوابط للتاريخ إذ لا يدرك أحد للتاريخ عبرة ولا مغزى, إلا من خلال استخلاص السنن الإلهية، فهو يقرر لنا القاعدة ويسرد لنا الحدث التاريخي لاستخلاص العبرة والعظة, والسعيد من وعظ بغيره. ولا يقتصر على مثال واحد؛ لكون المثال الواحد قد يكون النموذج الشاذ في مجموعة, بل يسرد جمعا من النماذج ليستيقن المستيقنون, وهو ما يؤكده لنا علم الإحصاء, على فرق أن علم الإحصاء تكون فيه النتائج تقريبية ضبابية, والسنن الإلهية ضوابط اليقين التام.

– نمـــــــــــوذج :

– سنة الله في تكذيب الرسل :


{إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [ طه : 48]

هكذا تأتي هذه السنة مقررة العذاب على من كذب وتولى, ثم يأتي الإخبار الإجمالي والتفصيلي للذين كذبوا بآيات الله.

– الإخبار الإجمالي :

{ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ }[ الزمر : 25]

{كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ}[ ق : 14]

وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْف كَانَ نَكِيرِ[ الملك : 18]

{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا}[الأنعام : 148]

{ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}[ يونس : 39]

تكذيب يتسلل إليه العذاب ويتعقبه من حيث لا يشكه الشاك, ولا يدركه المدرك ولا يعتقده المعتقد.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [ الأعراف : 182-183].
ومن الإخبار الإجمالي إلى الإخبار التفصيلي.

– الإخبار التفصيلي لكل فئة على حده :

ويمضي الإخبار القرآني في تفاصيل دقيقة لكل فئة من الناس, يربط الأسباب بالمسببات والنتائج بالمقدمات؛ لينتهي الأمر إلى استخلاص أن لا شيء تنضبط معه مجريات الأمور والتفسير الدقيق للأحداث, إلا من خلال السنن الإلهية القرآنية.

وهكذا يسرد علينا القرآن قصة نوح مع قومه في عجالة تختصر الزمن, وتعنى بأهم دواليب الحياة وأسبابها الحقيقية :

{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِي فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الشعراء : 105-122].

ويسترسل القرآن الكريم في سرد قصص الغابرين؛ ليكتشف القارئ لكتاب الله الجديد من سنن الله القرآنية, ويقف على حقائق علمية دقيقة تستجيب ومتطلبات العلم الحديث لتفي بالعلم اليقيني. لم يسرد لنا قصة واكتفى, بل سرد في سورة واحدة وآيات متتاليات زمرة من قصص أقوام كذبوا بآيات الله, فتعقبهم الهلاك أمة بعد أمة. وهكذا تلاحقت قصص قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط في سورة الشعراء. من الآية 105إلى190

لو جاءنا بقصة واحدة لقلنا إنها قصة شذت عن الواقع, لكن أن تتلاحق قصص الأمم على نمط واحد ونتيجة واحدة لتكذيب الرسل, فما يبقى للمرء إلا أن يقول أنه نظام الله وقانونه وهو ما اصطلح على تسميته بالسنن الإلهية القرآنية.

وانظر باقي القصص في سورة الشعراء من الآية105 إلى191, ولتنتهي القصص بعبر وعظات بالغات وسنن إلهية ثابتة :

{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } [الشعراء : 192-209].

تأتي هذه الآيات بالتذكير بأنه في زبر الأولين سبقت البشرى والعهد الذي أخذه الله على النبيين باتباع كل رسول جاء مصدقا لما معهم, والإيمان به ونصرته واتباعه, ثم تسترسل الآيات في استفسار:

{
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء : 197].
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ }[الشعراء : 204].

{ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } [الشعراء : 205-207].

ثم تستخلص العبرة:

{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ }[الشعراء : 208-209].

إنها خلاصة تكذيب النبيين والمنذرين. وبهذا تتلاحم السنن الإلهية في نسق عجيب وترابط غريب بين تكذيب الرسل وهلاك الأمم, أو تسليط عذاب الخزي عليهم في الدنيا, ولعذاب الآخرة أشد و أبقى.
وبين السرد التاريخي للحدث وعرض” كلمات الله التامات ” في شكل قوانين وضوابط له يمضي القرآن الكريم محذرا من سنن الأولين ومعللا الهلاك بالتكذيب, وجاذبا للانتباه باستفسار :

{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر : 43].

فالكفر ملة واحدة ويترتب عليه سنة واحدة وقانون واحد, أم سبق لكم عهد من الله يخرق السنن القرآنية ؟ فالسنن القرآنية قوانين كلية شاملة لكل عناصر ميدانها, وإذا جاءت باستثناء كان هو أيضا كليا في مجاله, و لولا خشية الإطالة والخروج عن الموضوع لبرهنت بالدليل القاطع كيف تتعامل السنن الإلهية فوق أرضية اليقين التام والكليات الشاملة, على عكس النظريات التي تنغمس في حدود النسبي التقريبي.

لقد فهمنا أن القصص القرآني ما كان ليكون عبثا, إذ ليس في نظام الله عبثية ولا لعب, و إنما جاء ليكشف لنا بأدلة القصص القرآني صدق كلمات الله التامات وأنها هي العليا, لكونها من أمر الله والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا هدى الله, فهل تستسلم البشرية له وتخضع لجناب ربها مقبلة غير مدبرة, مؤمنة غير كافرة, طائعة غير عاصية ؟

أين هذه الدقة والتدقيق بين ما أُجمل وما فصل من السنن الإلهية مما سموه زورا وكذبا, وكبرياء وتعنتا : ” نظرية الفوضى”؟ و التي لا زالت تبحث عن الخيط الرفيع الرابط بين الأحداث وعوامل تأثيرها :
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر : 17]

تتبعنا سنة واحدة من سنن الله القرآنية في تكذيب الرسل ووضعنا اليد على الهدف والمغزى يبقى السؤال قائما :

ما سر ترابط السير التاريخي والسنن الإلهية ؟

2- السير التاريخي والسنن الإلهية القرآنية :
يقول الهادي سبحانه وتعالى:

{ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ }[النساء : 26].

إن سنن الله لا تتبدل ولا تتغير بتغير الأزمان والكتب والأشخاص, بل هي الضابط للزمن والكتب والأشخاص. إنما الذي يتغير بين أمة وأخرى وشريعة أخرى أحكام تشريعية تفصيلية.
ويأتي السرد التاريخي القرآني للأحداث كاشفا لهدي سنن الله في أقوام غابرين, قائلا بلسان الحال :

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر : 43].

جاءنا القصص القرآني ليعلمنا سنن الله في الأقوام الغابرة. أهي دروس لنا نتلقفها عن الوحي وتعاليمه ؟

أم هي شرائع من قبلنا, ولنا الإعراض عنها وعدم الالتفات إليها ؟

فالشرائع الربانية جاءت داعية :
– لتوحيد الله.
– لإقامة الدين الإسلامي.
– لتبيين سنن الهدى.

فجوهر كل شريعة على حدة جاء داعيا إلى :

1- توحيد الله وعليه مدار الدين

{ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } [الأعراف : 54]

2 – و من أجل إقامة الدين بعثت الرسل :

{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [الشورى : 13].

ومن هنا ندرك سر قوله عز وجل:

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} المائدة : 48.

فلكل أمة جعل الله منسكا هم ناسكوه, و نهجا هم متبعوه. واختص الله جل علاه أمة الإسلام بأن جعلها شاهدة على الناس بالقسط ومكنها من سنن الأمم الغابرة؛ لتزن بالقسطاس المستقيم ولتسطر مستقبلها على نور سنن الهدى.

3- – تعليم سنن الهدى :

[يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ }[ النساء : 26].

تلك هي الروابط بين جميع الشرائع, وعلى سبيل المثال هذه دعوة كافة الأنبياء إلى توحيد الله :

– مبدأ التوحيد لرب العالمين :

– دعوة سيدنا نوح :

{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [الأعراف : 59].

– دعوة سيدنا هود :

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [الأعراف : 65].

– دعوة سيدنا صالح :

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه} [الأعراف : 73.]

– دعوة سيدنا إبراهيم :


{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا }[ مريم : 41-43.] كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة : 4].

– دعوة سيدنا يعقوب :

{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة : 132-133].

– دعوة سيدنا يوسف :

{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[ يوسف : 39-40]


– دعوة سيدنا شعيب :

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }[ الأعراف : 85]

– دعوة سيدنا موسى :

فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى [ طه : 47-56]

– دعوة سيدنا عيسى :

{قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ } [ المائدة : 117]

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } [ آل عمران : 50-51]

– دعوة سيدنا محمد :
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ[ الكهف : 110]}

– دعوة عامة الرسل عليهم السلام :
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي }[ الأنبياء : 25] – كافة المنذرين :
{يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِي }[ النحل : 2]

– جواب السؤال :
هل القرآن كتاب تشريع أم كتاب سرد للتاريخ ؟


رأينا كيف شدت والتقت الدعوة إلى توحيد الله في إجمالها بالتفاصيل التي أفضى بها كل نبي في دعوته إلى التوحيد الخالص لله تعالى.
فكما دعا كل نبي إلى توحيد الله, جاءت الآيات التي عمت الرسل والمنذرين بلسان واحد وشهادة واحدة : دعوة إلى توحيد الله :
{ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِي [ النحل : 2]}
كما دعت كل الشرائع لإقامة الدين على مبدأ التوحيد, و بطبيعة الحال ينقسم الناس بين مؤمن و كافر؛ و بين مواقف أولئك وهؤلاء تستخلص السنن الإلهية.

فهل اتضح لنا – : لماذا يقص الله علينا القصص القرآني؟
وهل اتضح أن التشريع الذي جاء به القرآن الكريم سيق على نمطين :
– تشريع الأحكام من عبادات و معاملات؛
– تشريع قوانين السنن الإلهية, والتي جاءت كاشفة لسننه الكونية؟ لِتُجَلّيِ للعيان ما انغلق من فهم على فقهائنا حينما تساءلوا في استغراب:
– هل القرآن الكريم كتاب تشريع أم كتاب تاريخ ؟
إنه كتاب تشريع لأحكام العبادات والمعاملات من جهة, ومن جهة ثانية يكشف سنن الله وكلماته التامات في الأمم الغابرة، حتى يستيقن المستيقنون بأنه لا راد لحكم الله, وأن لا فاعل في الوجود حقيقة إلا الله.
ولما غابت هذه النظرة الشمولية للواقع من خلال السنن الإلهية عن علماء الاجتماع؛ ارتموا في أحضان النظريات المخطئة ضربا لأخماس في أسداس, خَرَصاً منهم وتخمينا.
فهل آن الأوان للرجوع لله وتحكيم سننه القرآنية في الواقع للفوز بالحياة الطيبة في الحياة الدنيا, والنعيم المقيم في الآخرة.

* خلاصة في شرع من قبلنا من منظور السنن الإلهية :
– تبين لنا أن القرآن هو حجة الله القائمة إلى يوم الدين على خلقه.
– وثبت وجوب الإيمان بالكتاب كله, وقد خص الله جل علاه مساحة ثلثه للقصص وسير الأنبياء؛ جاءت لتبين لنا سنن الذين من قبلنا :
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [ النساء : 26].
فكيف يتسنى لنا الادعاء بأن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وكيف بنا نعرض عن هدي ربنا وهو يبين لنا و يوضح إرادته لتعليمنا سنن الذين من قبلنا  ويبيّن ما أشكل على الإنسانية جمعاء فتاهت في النظريات المخطئة، إضافة إلى ذلك عقب جل وعلا على تبيينه بالتوبة علينا.
وقد سبق الكلام عن وعيد الله للذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض بالخزي في الحياة الدنيا, و يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب.


– كما انكشف بطلان اعتراض من تساءلوا في استغراب : هل القرآن كتاب تشريع أم كتاب سرد للتاريخ ؟
فتبين لنا بأن القرآن جاء ليعلمنا :
* – تشريع العبادا ت.
* – تشريع المعاملات.
* – تشريع السنن الإلهية في القرآن والكون والتاريخ.
– ورفع البحث الستار عن وجوه الترابط بين الشرائع الربانية؛ إذ كلها جاءت داعية :
+ لتوحيد الله و إخلاص العبادة له جل علاه.
+ لإقامة الدين.
+ تبيين سنن الذبين من قبلنا

اقرأ كذلك

أزمة منهاح في الفتوى‏

كلما عرضت على الأمة مشكلة فقهية تصدى لها فقهاء بما أخذه الله عليهم من عهد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen + 10 =