ضرورة السنن القرآنية لخبر الآحاد لإفادة العلم
27 فبراير، 2013
نظرات سننية في الحديث النبوي
56 مشاهدات
فإن من أجل ما تصرف فيه الأوقات, بعد إجلال كلام الله وتعظيمه, سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم, طهيرا لها من الشوائب, و نفيا عنها ما انتحله المبطلون, ومغالاة المغالين, أو ما انستر عن عين المحبة, اقتفاء بأثره الشريف الذي ساقنا إلى أمة الوسط, الشاهدة على الناس بالقسط.
و لئن سعى السلف الصالح من جهابذة الأئمة المحدثين- عليهم رضوان الله- جهد طاقتهم نصحا و إخلاصا لتطهير السنن النبوية مما خالطها من شوائب و ما علق بها من كذب على المصطفى عليه أفضل الصلاة و السلام, فلقد تقاعست همم الخلف عن تطلعات جهابذة السلف
أهمية السنن القرآنية لخدمة الحديث النبوي :
نصح ابن الصلاح عدم الحكم بصحة الحديث لضعف أهلية أهل هذه الأزمان وخالفه النووي في التقريب قائلا : ” وإلا ظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت معرفته ” 1
وبعد نشر ولف لما بين ابن الصلاح والنووي خلص السيوطي رحمه الله إلى أنه :
– لقد صحح جمع من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدم فيها تصحيحا .
وكم من حديث حكم بصحته إمام متقدم اطلع المتأخر فيه على علة قادحة تمنع من الحكم بصحته , ولا سيما إن كان المنتقد ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن كأبن خزيمة وابن حيان .
– وتعجب كيف يدعي تعميم الخلل في جميع الأسانيد المتأخرة ثم يقبل تصحيح المتقدم , وذلك التصحيح إنما يتصل للمتأخر بالإسناد الذي يدعي فيه الخلل , فإن كان ذلك الخلل مانعا من الحكم بصحة الإسناد فهو مانع من الحكم بقبول ذلك التصحيح .
– ونصح , من باب الأحوط , في مثل هذا , أن يعبر عن الحديث ” بصحيح الإسناد ” ولا يطلق التصحيح لاحتمال علة للحديث خفية عليه .
والملاحظ أن نصحية السيوطي وهي حلقة بين المانع والمجوز لتصحيح الأحاديث للمتأخرين , التقطها المتأخرون ونهجوا نهجها كما فعل أحمد محمد شاكر رحمه الله على شرح المسند ولم يتجاوز ذكر صحيح الإسناد …
وإذا كان بحث الإسناد في متناول المتأخرين فإن السنن القرآنية ميزان للحق والباطل وفيصل وفرقان لا يبقى معه احتمال للتشكيك للضعف المتن إن وافق السنن القرآنية كما لا يبقى معه احتمال علة الحديث إن خالف سنن الله التي عليها قام الكون .
وتأكيدا وتأييدا لميزان السنن الإلهية القرآنية . فإننا نجد علماءنا توزعوا صفين أو صفوفا مختلفين في مسألة عرض السنة على الكتاب فقالت بها طائفة المعتزلة والشيعة وأدارت وجهها لها طائفة من أهل السنة بينما ساندتها طائفة أخرى .
وبتسليط لضوء السنن القرآنية على موطن الاختلاف , تنقشع حقيقته ويذوب الخلاف , رغم عناد من عاند لكونه آنئذ , قد تشبث برأي مرجوح .
حسم مسألة عرض السنة على الكتاب
والكيفية التي تتم بها
يتضح مما سلف ذكره أنه بعرض الحديث على السنن القرآنية ليفيد العلم أو يكشف ما به من علل متسربة هو ضرب من عرض السنة على الكتاب وهذا أمر خاض فيه العلماء والمحققون من المحدثين وحتى تطمئن الأفئدة ويستريح البال هذه أدلة تقتضي بإرجاع السنة للكتاب لإفادة العلم :
1- السند الأول
قوله عز وجل :
ٍ{وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ
-لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ؟
-قَالُواْ أَقْرَرْنَا
-قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران : 81]
قال السيد قطب رحمه الله :
لقد أخذ الله موثقا رهيبا جليلا , كان هو شاهده وأشهدوا عليه رسله , موثقا على كل رسول أنه مهما أتاه من كتاب وحكمة ثم جاء رسول بعده مصدقا لما معه , أن يؤمن به وينصره ويتبع دينه وجعل هذا عهدا بينه وبين كل رسول 2.
والأمة الإسلامية جاءها خاتم النبيئين , فلا نبي بعده , لكن المسلمين كلهم رسل رسول الله في التبليغ عنه .
والحمد لله أن السنة قد خلصت الأمة من جمعها ولا مزيد لمستزيد . والحالة هذه أن نعرض ما جاءنا مبلغا عن رسول الله على السنن القرآنية فإن تطابقا فيا حبذا وإن اختلفا اختلاف تناقض وتنافر فليس من كلام رسول الله في شيء .
وهكذا يمضي العهد الرباني للرسل في أمة الحبيب المصطفى وتأكيدا لقوله عز وجل :
{ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص : 51] وتقتضي الآية :
القاعدة الأولى :
سنة + تصديق الكتاب لها أو السنة المتواترة = دليل علمي على صدق المبلغ
2- السند الثاني :
يقول عز من قائل :
{ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [هود : 17]
يقول السيد في تفسير هذه الآية :
أفهذا الذي تتظافر الأدلة والشواهد على صدقه وصحة إيمانه ويقينه … حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه وحيث يتبع أو يتبع يقينه هذا شاهد من ربه : هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني , وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله وهو كتاب موسى الذي جاء إماما لقيادة بني إسرائيل ورحمة من الله تنزلت عليهم وهو يصدق رسول الله r بما تضمنه من التبشير به كما يصدقه بما فيه من مطابقة للأصول الاعتقادية التي يقوم عليها دين الله كله .
أفمن كان هذا شأنه يكون موضعا للتكذيب والكفر والعناد كما تفعل الأحزاب التي تناوشه من شتى فئات المشركين ؟
إنه لأمر مستنكر إذن في مواجهة هذه الشواهد المتظافرة من شتى الجهات 3.
خــــلاصــــــة :
إنما تضمنت :
1- نبي حامل رسالة مؤيد من الله بالغيب
2- يتلوه شاهد منه : يتبعه القرآن
3- يصدقه الكتاب الذي بين يديه : التوراة لموسى عليه السلام .
إنها شروط الرواية العلمية :
1- فالنبي حامل الرسالة مؤيد من الله بالغيب أصل لفرع ناقل خبر رسول الله مبلغ عنه .
2- يتلوه شاهد منه قد يكون الشاهد حجة تعضد الحديث أو رواية أخرى تقر صدق القول أو تشهد له أو تتباعه
3- يصدقه الكتاب الذي بين يديه : يصدقه القرآن .
القاعدة الثانية :
نبي مؤيد + بينة + تصديق كتاب موسى = برهان صدق
قياسها
span>
مبلغ عن رسول الله + بينة + تطابقه لسنن القرآن = دليل علمي للحديث النبوي
وتختم كلا الآيتين بوعيد شديد لكل منها وذلك لما تبين الحق وجاء العلم وماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
– {فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [ آل عمران : 82- 81] -{ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } [ هود : 17] وتحمل في ثناياه وجوب عرض السنة على كلمات الله ليستقر الفهم ويتضح العلم وتنكشف الدعاوي والبلاوي .
تلك هي أهم مميزات وتأثير السنة القرآنية بنورها الوهاج على خبر الآحاد .
ـــــــــــ
1- تدريب الراوي للسيوطي , ص : 88
2- ظلال القرآن , ج . 1 / 420
3- في ظلال القرآن للسيد قطب , ج . 4 / 1865