الرئيسية / نقد العلوم الشرعية / القرآن / أدلة عدم نسخ الكتب السابقة

أدلة عدم نسخ الكتب السابقة

ويبقى سؤال عريض : إذا كانت التوراة قد نسخت بمجيئ عيسى عليه السلام :
1-
فَلِمَ يعلمه ربه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ؟
2-
بل وكيف بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة, وبالأخص أن يحل لهم ما حرم عليهم ؟

أثَرْتُ هذين السؤلين ليقول القائل إذا كانت الكتب السالفة قد نسخت فما الحكمة إذن من استفسار الله جل جلاله لكفار قريش :

{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُر [43] } القمر.

قال القرطبي عن هذه الآية : إنه استفهام إنكار, ومعناه النفي, أي ليس كفاركم خيرا من كفار من تقدم الذين أهلكوا بكفرهم, أم لكم براءة في الزبر؟ أي في الكتب المنزلة على الأنبياء بالسلامة من العقوبة.

إن كانت هذه الكتب نسخت فكيف يستدل الجليل بها ؟ أليس هذا ضربا من العبث؟

ونمضي في استرسال الشواهد ؛ إذ جاء القرآن الكريم أيضا مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل, أفيكون القرآن ناسخا لشاهديه ؟ أفيعقل هذا؟

قال تعالى :
{
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [43]} يونس

{مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[111]} يوسف .

{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ[17]} هود .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ[ 47]} النساء.

{وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ[31]} فاطر.

وإذا جاء القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتب المنزلة : فكيف يستقيم نعتنا لها بالنسخ، والإيمان بالمنسوخ عبث، ولا عبثية في قانون الله؟

فأين المهرب يا من تأخذكم الحمية الجاهلية وتتقولون على كلام الله وترمون الكتب السابقة بالنسخ؟

3- دليل التوقف عن العمل بالكتب السابقة :

ووإذا دأبنا القول بعدم نسخ الكتب السابقة يتعقبنا سؤال آخر :

إذا لم تكن هذه الكتب قد نسخت فما أمرها ؟

ذلك بأن الله عهد لكل نبي إن جاءه رسول مصدقا لما معه ليؤمنن به ولينصرنه, وإليكم العهد :

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ[81] } آل عمران

هكذا ينفرج الأمر على عهد بتوقيف الشريعة السابقة والمضي فيما جده الله للبشرية, وبقيت الكتب على حالها من غير نسخ :

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ[48]} المائدة .

أخذ هذا من تعليم سيدنا عيسى التوراة, ثم من التصديق بها ثم أباح لهم بعض ما حرم عليهم.
وجاءت شريعة الإسلام وصدقت لما بين يديها من التوراة والإنجيل, ثم هيمنت عليه وسطرت شريعة جديدة :

{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [48]} المائدة
.
وتناقلت الرسل العهد الرباني بالتصديق بآخر الأنبياء ؛ إذ جاء مصدقا لما معهم من الكتاب فوجب عليهم الإيمان به, والنصرة له, والإذعان لشريعته.

4- لماذا لم نقل بنسخ الكتب السابقة, بل بتوقيف العمل بها ؟
ذلك :
(1)
لكونها اشتملت على عهود ربانية, وما كان الله ليخلف وعده وينسخ عهده.

(2) لكوننا مطالبين بالإيمان بها والإيمان بالمنسوخ عبث.

(3) قوله عز وجل :

{وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ[68]} المائدة

. ونحن إذ نقول أن كتبهم نسخت, ألم نصبح مثل اليهود والنصارى في اتهام بعضهم بعضا أنهم ليسوا على شيء.
وبنسبة الله هذا القول للذين لا يعلمون, أفلا نكون نحن أضل منهم جميعا بقولنا بنسخ الكتب السابقة.

(4) لكونه جل جلاله استشهد بها :

{أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ[43] القمر .

{فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[93]} آل عمران

{أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى[133] طه .

* خلاصة واستنتاج :

أدلة القول بالتوقف في الكتب السابقة وليس بالنسخ :
(1)
إن الكتب السابقة هي كتب انتهى العمل بها إبان بروز نبي لاحق, وهذا تماشيا مع سنة التدرج التي هي من خصائص التشريع الرباني ؛ والقرآن الكريم خاتم الرسالات, وسيدنا محمد r خاتم النبيين.
(2)
أسند القول بالتوقيف لا إلى اجتهاد, بل إلى نص قطعي الورود, قطعي الدلالة :

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ[ 81]} آل عمران.

فهل من مقتضيات الإيمان به ونصرته عدم اتباع شريعته والانصياع لها ؟ ومن هنا ندرك قول سيدنا عيسى عليه السلام لبني إسرائيل :

{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ[50]} آل عمران .

والإيمان بالنبي الجديد يعني نهاية العمل بالشريعة التي قبله دون أن تكون ناسخة لكتاب تلك الشريعة.

5 – حجية عدم نسخ الكتب السابقة :

* عدم القول بالنسخ يستمد قوته وحجته:

أمن احتجاج الله بالكتب السابقة :

{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[

{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُر[ .

{أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى[ .

بلما تضمنته هذه الكتب من وعود وعهود لله, والله وفي إذا وعد فلن يخلف الله وعده, ومن أوفى بعهده من الله ؟

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِي وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِي وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ[ ]} .

جلكوننا مطالبين بالإيمان بها.

دلكي لا نضحى أضل من اليهود والنصارى إذ شهدوا على بعضهم البعض بأنهم ليسوا على شيء, وسوى الله بين قولهم وقول الذين لا يعلمون والله جل جلاله إذ يقيم علينا الحجة ببيانه ؛ فما يبقى لنا من سبيل للقول بالنسخ, إلا إذا انتهكنا الحرمات واعتدينا الحدود.

هـلكون النسخ في كتاب لا يمكن إطلاق القول به, إلا ببينة إلهية قرآنية حتى لا نتقول على الله ؛ وذلك لما حذر الله جل جلاله الأمم السابقة.

{أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ[ .

وإنه استفهام استنكاري على المتقولين على الله من الأمم السابقة وهو لنا بمثابة : ” إياك أعني واسمعي يا جارةوقد جاء بصيغ مثان وهو بصريح العبارة :

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ[ .

وبعد هذا التحذير الرباني هذه بعض السنن الإلهية القرآنية تدل على النسخ :

1- ]مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا[]} .

2- {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ[ ]} .

3- {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ[]}
.
4-
وإذا تقرر ما سبق فإن النسخ في القرآن الكريم يستوي فيه المفهوم اللغوي والاصطلاحي:

* الاستنساخ وهو النقل والإثبات كنسخ القرآن الكريم من اللوح المحفوظ.

* المحو والإبطال والإزالة كقوله تعالى :

{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ[ ]}.
والنسخ هنا متعلق بنسخ الآيات الكونية بآيات قرآنية، لا بنسخ آيات القرآنية بأخرى. ومثاله قوله تعالى:

{الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [183]} آل عمران

فأجابهم الحق جل جلاله:

{قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [183]} آل عمران

ونسخت الآيات الكونية إلىآيات قرآنية حيث تبيّنت لليهود آيات الله ثم عمدوا حسب زعمهم بقتل عيسى عليه السلام، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم. واستمرار العهد بعد العبث به عبث والله منزه عن العبثية:

{لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [17] } الأنبياء

5- أنه ما دام النسخحسب القائلين بهلم يتعلق إلا بمسائل تعد على رؤوس الأصابع ينبغي أن تعرف من مستثنيات الأمور, ولا داعي للتهويل وتقعيد القواعد, وضبط الضوابط من أجل معرفتها وإدراكها.

فهل نلتزم الأدب مع الله ومع كتابه ؟ أم نتمادى في التقول على الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ اللهم عفوك

اقرأ كذلك

القول بعلم الناسخ والمنسوخ في القرآن أهو المنطق السديد؟

كتب الشيخ ابن تيمية كتاب تحت عنوان رفع الملام عن أئمة الأعلام؛  ومن هنا كان …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 − four =