الرئيسية / دراسات في السنن الإلهية / نظرات سننية في القرآن / الفكر الاعتزالي والقول بخلق القرآن

الفكر الاعتزالي والقول بخلق القرآن

ولقد اختص الله بالخلق والأمر، ودليل اختصاصه كما يقول اللغويون تقديم الخبر على المبتدأ فالخلق شيء، والأمر شيء آخر. لكن القاضي عبد الجبار من شيوخ الاعتزال أبى إلا أن يبرهن على أن لا فرق بين الخلق والأمر ؛ بل جعل الخلق مخلوقا والأمر أيضا مخلوقا: ترى أين كمن زلل الفهم في هذه الأية؟

مع القاضي عبد الجبار- المؤصل لمذهب الاعتزل:

قال القاضي عبد الجبار :” وأما مذهبنا في ذلك، فهو أن القرآن كلام الله تعالى و وحيه، وهو مخلوق محدث، أنزله الله على نبيه ليكون علما ودالا على نبوته، وجعله دالا لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، واستوجب منا بذلك الحمد والشكر والتحميد والتقديس” (شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص 528)
وقال أيضا : ” و قد دل على ذلك في محكم كتابه فقال :
{مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} الأنبياء : 2.
والذكر هو القرآن بدليل قوله :
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[ الحجر : 9.
فقد وصفه بأنه محدث، ووصفه بأنه منزل، والمنزل لا يكون إلا محدثا؛ و فيه دلالة على حدوثه من وجه آخر، لأنه قال :” وإنا له لحافظون ” ولو كان قديما لما احتاج إلى حافظ يحفظه…. نفس المصدر السابق ص 531-532.


وقال أيضا :” وقد تعلقوا في ذلك بآيات من القرآن من جملتها، قوله تعالى :
{ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [ – الأعراف : 54 
قالوا : إنه تعالى فصل بين الخلق والأمر؛ وفي ذلك دلالة على أن الأمر غير مخلوق.


وجوابنا أن هذا باطل، لآن مجرد الفصل لا يدل على اختلاف الجنسين، أولا ترى أنه تعالى فصل بين نبينا وبين غيره من الأنبياء عليهم السلام بقوله :
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ}[الأحزاب : 7..
ثم لا يجب أن لا يكون نبيا من الأنبياء…. (نفس المصدر ص 544)
ويتساءل رحمه الله : فإن قيل كما يفصل للتعظيم فقد يفصل لاختلاف المذكورين، فلم حملتم هذا للتعظيم ؟ قلنا لقيام الدلالة على أن الأمر مخلوق، ولقوله : {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا }[ الأحزاب : 37.




– تعقيب على استدلالاته رحمه الله :

وبعد تأمل كلام القاضي عبد الجبار رحمه الله اتضح أنه كان على بيّنة من ضوابط الأصوليين، وكان له فهم دقيق لبعض النصوص وما حجبه عن الفهم الشمولي للقرآن إلا ما حدده من تعاليم : من نفيه لصفات الله جل علاه، ثم من قوله بخلق القرآن ونافح عن مبدئه بكل ما أوتي من عريضة بيان وقوة جدل.

السنن الإلهية الكونية والقرآنية تكشف الأباطيل

و إذا جادل القاضي و رد قوله عز ة جل :


{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ }[الأعراف : 54.

بأن الفصل بين الخلق والأمر لم يكن لاختلاف الجنسين إنما كان للتعظيم، فإن السنن الإلهية تفصم هذا الادعاء فصما قاطعا نهائيا، لا تبقي معه بقية للجدل، والمشاكسة، حيث يقول الحق جل وعلا :


{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [ الشورى : 52.
والروح أمر من أمر ربي، والأمر لا يصدر إلا لمخلوق ومنه قوله عز وجل


{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [ الروم : 25.] {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ }[ النحل :12].

ومن هنا كان القرآن أمر الله للبشر أي لمخلوقيه، وعلى قاعدة الخلق والأمر انبنى الوجود وانضبطت الكائنات في انسجام بديع.

ولا يعدو المشكل أن يكون مجرد بدعة فلسفية، تبنتها المعتزلة وجعلتها أساس فتنتها، فهل يعقل أن يقال في قوله عز من قائل :
{وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [ الأحزاب : 37].
بأنه مخلوق، وأفعاله تتصف بصفة ذاته، إذ كونه جل وعلا حكيما فإن حكمته تتجلى بمقتضى أسمائه وصفاته في أفعاله، وهو عظيم وتتجلى عظمته في جل أفعاله؛ ولما نفت المعتزلة الصفات عن الرب جل وعلا -عما يصفه به الواصفون إلا عباد الله المخلصين- تجرأوا بقولهم أن أمره مخلوق، فهل يعقل عاقل أن يقال أن أسماء الله وصفاته : مخلوقة أيضا؟؟؟‍‍‍‍!!!


والفعل الرباني الواحد نطالع فيه كل الصفات الربانية: كثيرا ما نقول : كم من نقمة في طيها نعمة، دون أن نلتفت إلى أبعاد المعنى الذي نطقنا به: فالله سبحانه وتعالى : كريم، ومهما كانت النقمة شديدة، أو صغيرة، فهي عذاب وهنا تتجلى صفات العزة والانتقام {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ} [الزمر : 37َ] و {أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة : 165]، وتجلت أيضا صفة الرحمة التي وسعت كل شيء { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ }[الأعراف : 156] ومن هناك نطالع اسم : الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة : 3].

و تجلى خلق الله فيما خلق من مخلوقات، وما يقومون به من أعمال، ومن هنا اختلط الأمر على صاحبنا، لكونه نظر لفعل الله بنفس المقياس لفعل المخلوق؛ واختلط الأمر عليه
1- لكون فعل الله قولا، وقوله فعلا؛ وهنا تاهت الفلسفة!!!
2- وما دخلت عليه الشبهة إلا من باب نفي صفات الرب عز وجل.
أما مدلول قوله عز من قائل : {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [ الأحزاب : 37.
فمعناه نافذا، محققا، كان ذلك في الكتاب مسطورا، أي مكتوبا في اللوح المحفوظ بأنه نافذ مفعول، وأن لا راد له إلا بأمره، فسبحانه من فعال لما يريد، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. ففعله قول وقوله فعل :


{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[يس : 82.

3- وبعيدا عن مجال الفلسفة، فالله جل شأنه خالق كل شيء :
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل}ٌ[- الزمر : 62

أترى الحكيم يخلق الخلق ويتركه هملا دون توجيه وإرشاد لما فيه مصلحته؟وهل يقول بذلك عاقل؟ وهل هذا فعل من لا عبثية في قانونه ولا ظلم ولا حيف، ولا لعب؟؟؟.
هكذا تكشف السنن الإلهية زيف القول، ولغطه، بل لغوه.

فالمسلم من أسلم أمره إلى الله،لا من يتقول عليه سبحانه وتعالى؛ إذ التقول على الله من أعظم الذنوب إطلاقا، وواجب المسلم في الإلهيات أن لا يتكلم إلا بعلم وهداية، وكتاب منير.

ويمكن في الجنب العلمي التحدث عن المكتشفات العلمية والدراسات اليقينية، والهداية الاستنارة بما جاء في السنة المطهرة عن الله ككون كلتا يديه يمين سبحانه وتعالى؛ والكتاب المنير القرآن الكريم.

وخلاصة القول :

أن القرآن روح من أمر الله لاخلق من خلق الله، والله جل وعلا اختص بالخلق والأمر ولا معنى للاختصاص بالخلق والأمر إذا كان ذكر إحدى المواصفات شاملا للثانية ومميزا عنها من باب التعظيم فقط.

فهل هذا فكر يعتد به حتى تتباهى به طوائف الشيعة وينافسون مؤسسه بأنهم أسبق الناس إليه؟

اقرأ كذلك

أقسام القرآن‏

يقول الحق سبحانه وتعالى : ]وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 + seven =