الرئيسية / تفسير القرآن من منظور سنة الله / مقدمات في التفسير : فقه المرحمة

مقدمات في التفسير : فقه المرحمة

تنوعت أسماء الله الحسنى وتكاثرت صيغ تراكيبها ، وتعددت صفاته العلا وتجلت في أبهى مظاهرها ؛ وما استفتح كتابه العزيز وابتدأت سور قرآنه إلا باسم : ” الله الرحمان الرحيم ” ليعبر لكل ذي حجى بأنه تشريع المرحمة للعالمين جاء ضابطا لعلاقات مخلوقاته فيما بينهم وبينه من جهة وما بينهم من جهة ثانية فشمل كتابه ، إشارت للقوانين الدستورية ، والإدارية ، والاقتصادية ، وضوابط للقوانين الاجتماعية ، فضلا عن العلوم السياسية وسبل التعبد فكان رحمة مهداة بلغها نبي المرحمة وجاء بها رسالة أتمت مكارم الأخلاق

،وأبان جل جلاله بأنه ما أرسل رسوله إلا رحمة للعالمين ، اصطفاه ليكون قدوة للعباد ونثر عليه من رحمته وسماه رؤوفا رحيما بالمؤمنين : فكان ينبوع اللطف بحكمته العقلية ورحمته القلبية والمعين الصافي للرقة القلبية والبحبوحة من الرحمات تشريعا وتنظيما

ما كان لفقه أساسه القرآن وبدء باسم ” الله الرحمن الرحيم ” إلا أن يكون مصدر إشعاع للبشرية ينير سبيل المرحمة ويقيم دعائمها لطفا بالعالمين ؛

سورة الماعون
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{{ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)}

و اقتضت رحمة الله أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعا متماسكا بلطف معشره ولباقة أناسه ، وتضامن بعضهم بعضا ، وبهذا رفع جل جلاله مكانة المنفقين وجعلها أولى درجات القرب منه سبحانه وتعالى لعنايته بلحمة التماسك الإجتماعي ثم بعد ذلك يأتي الحديث عن الكينونة من المؤمنين العاملين للصالحات والمتواصين بالصبر وبالمرجمة ؛

سورة البلد
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13 أوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ مَسْغَبَةٍ (144)يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
وتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (188)
العناية بالمجتمع ورحمته ورفعته ونصرة فقيره وضعيفه غاية أساس في شرع الله جل 
جلاله ومن أجل بيان ذلك قدم إطعام اليتيم والمسكين ولو في يوم ذي شدة ونقص من الإمكانات على الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة.

كما أرسى دعائم المجتمع على آصرة الأخوة في الدين وجعلها رابطا لوحدة المسلمين ولولائهم ؛ فكانت أساسا لتماسك وحدة المجتمع حيث يشعر الأخ بأخيه ويواسيه وينافح عنه الصعبات ويجعل المجتمع متماسكا ومتآزرا أفرادا وجماعات ؛ تكاملت فيها الأسرة بالقبيلة ، والقبيلة بالمجتمع وبهذا تكاملت حلقات البناء الاجتماعي ، فالفرد تواسيه الأسرة والقبيلة ثم المجتمع

وحيث أن الله هو رب الجميع لم يفرق بين البشرية إلا بدرجات التقوى وجعل أكرم خلقه لديه المتقين في قوله تعالى

سورة الحجرات
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13))

لقد خلق الله الخلق ، وجعل تمايز الناس بالتقوى ، لا بلون البشرة ولا بدرجة الثراء ، ولا بقوة الجسم ، ولا بالقدرة على حسم الموقف بشجاعة المرء كما استندت إلى ذلك الأفكار البشرية.

وترك سبحانه وتعالى لعباده حرية الاختيار عبودية الله عن طواعية واقتدار أو عبادة ما شاء كل فرد بما استند إليه فكره واقتنع به مجتمعه ؛ بعد أن أبان سبيل الهدى وسبيل الضلال وهو القادر على أن ينزل آية فتضل أعناق المخلوقات لها خاضعين.

إن ربنا بالناس لرؤوف رحيم يجازي بالجسنة بعشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء ، كما جعل جزاء الأعمال من جنسها اللهم إن لم يليق بجلاله سبحانه من رب عزيز وهاب. وحرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرما ؛ كما أرسى قواعد العدل في المجتمع .وأثيت دعائمه.. ولم يترك الناس هملا, وعزز الفكر الاقتصادي بمنع الربا بكل أجناسه ، وأباح البيوع وحدد ضوابطه.

فهل نجد في المجتمعات تشريعا أعز قومه ورفع مكانتهم عن الهوان رفعة القرآن الذي 
كتب العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen − three =