في معرفة الله

جملة من المقالات تفتح عين القلب على عالم فسيح ومجال كبير : إنه عالم معرفة الله

حيث الضوابط الشرعية نبراس الأمر ، وحيث نصوص الكتاب والسنة العاصم من زلات التقول على الله بغير علم.وهي أخطر  الذنوب إطلاقا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إتك أنت الوهاب

 

عرفنا الله جل جلاله بنفسه في أعظم آية : إنها آية العرش حيث وصف نفسه بأنه :

( الله لا إله إلا هو الحي القيوم )

وحول مضامين هذه الكلمات يصب المقال بمزيد وضوح وبيان. فاسم الله اسم جامع لكل الصفات والأسماء الربانية وبهذا القول نبتعد عن الفلاسفة بخاصة منهم المعتزلة وكذا الأشعرية والماتريدية ومن عانق فكرهم بدعوى العلم أو بغير علم ، فلا مطمح لولوج دروبهم المظلمات ولا مطمع في البحث عن إضاءة الجوانب الربانية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

 

والأسماء والصفات الربانية تلتمس من معينها الصافي كتاب الله دون غيره من المصادر لكون السنة رويت لنا في غالبها الأعم  بالمعنى والأسماء والصفات الربانية لا يجوز الإلحاد فيها ومن باب التحري والحذر قد نستأنس ببعض نصوص السنة ولا نعتمدها أساسا.

 

وأول ما تسوقه آية العرش من الأسماء والصفات المركبة اسم :

هو الحي القيوم

وهو اسم ثلاثي التركيب حيث نعت الضمير العائد على الله جل جلاله بصفة الحياة المنعوتة بالقيومية ، وقد تغيب هذه المعاني عن قلوبنا ولا نستحضرها في حياتنا ، بله أن نلمس قيوميته للكون كله ، وهي بلادة حس  وراءها غفلة إدراك لما يجول في واقعنا

 

فهو الحي القيوم : ظاهر بأفعاله في الوجود باطن بذاته عن الأعين. والكون كله كتابه المنشور ، بينما القرآن كتاب المقروء ولن تجد تفسيرا أيسر وأحسن  تأويلا لما يجري في الكون مما عبرت عنه آيات الكتاب المتلو ، كما لا يمكن الغوص في دلالات نصوص الكتاب المتلو إلا بضابط العهود الربانية لما يجري في الوجود من أحداث مرهونة في حراكها بأمر ربها. لا تحيد عنه ولا تزيغ ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا ، ولما انطلق المفسرون تحدوهم الرغبة الجامحة في بيان دلالات القرآن الكريم ولم يكن لهم من ضابط غير معيار اللغة ، وضوابط الأصولي جاءونا بأقوال تعددت سبلها واختلفت مضامينها والحديث فيها يرمي لبيان نص  جزم القرآن الكريم بوصفه مبينا  والمبين ما ابتعدت دلالاته عن الخفي والمشكل وكل ما احتمل واحتمل من المعاني : إذ لا حجة مع الاحتمال.


والحياة الربانية موسومة بالقيومية وهي الهيمنة والقيام بشئون الكون بدقيقها وجليلها حيث لا فاعل في الوجود حقيقة إلا الله وكل ميسر لما خلق له ، وهذه الحقيقة الثانية التي تعزب عن الأفهام حيث يتوهم كل مخلوق بأنه الفاعل لما يريد ، غافلا عن فاعلية الفعال لما يريد ، ولا يستغرب أحدنا ولا يلتفت بأنه بغفلته عن الفعال لما يريد أضحى فرعونا يقول بلسان حاله ” أنا ربكم الأعلى ” . والرؤية التوحيدية تلزم المعتصم بها بالتأدب والاستمساك بالوحي وبقراءة الأحداث والوقائع من منظور رباني حيث يخضع الكون لسلطان الله جل جلاله

 

( انظر إلى أثر رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها )

فرحمة الله لطف صنعه فهي لا تبصر وإنما ما تركته رجمة الله من آثار معبرة أحسن تعبير  بأنها فضل من الله ونعمة تكرم بها على خلقه رغم ما يقترفه من ذنوب وما تستوحيه وجهة نظره من ضلال تبتعد عن رؤية توحيدية لفاعلية الحي القيوم..


وما تعرف لنا الكبير المتعال بفاعليته إلا ليرشدنا إلى الرؤية التوحيدية المنجية من الشرك حيث نجد أن الغالبية العظمى من المؤمنين محجوبة عن دقيق هذه المعاني فيتسرب الشرك إليهم من حيث لا يشعرون

(  وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) يوسف الأية 109


ولم يسلك الله جل حلاله سبيل المناطقة في الدلالة على حياة قيوميته والتي قد تخون بسطاء الفهم والإدراك ، وإنما رفع التحدي عاليا في وجه كل ملحد وباحث عن دلالات وجود الله ليثبت له بأنه هو الحي القيوم وليس لغيره من الأمر شيئ، وفي هذا يقول جل شأنه وعظم كبرياؤه : { قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ -5- قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ  – 6 – } الأنعام

وبهذا فتح الكريم يدا كرمه لكل من أراد التعرف عليه ولمس يدا فضله عليه بأن يدعوه تضرعا وخفية ويطلب حاجته الخاصة ثم ينظر هل الكريم يخيب من رجاه ؟ فهو لا يخلف وعده ووعده اقتضى الاستجابة لكل من دعاه كائن من كان. فقد جعاه إبليس وهو عدوه وطلب منه إنظاره إلى يوم البعث فما خيب الجليل رجاءه وما منعه طلبه ولا حرمه الاستجابة. وتوسل قوم فرعون بنبي الله موسى عليه السلام بعد أن عمهم بلاء الدم والضفادع ، والله جل شأنه يعلم نفاقهم ، لكنه لا يخلف وعده، وتأتي استجابة ربه له قطعا لحجته مصداقا لقوله تعالى

 

{ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ -16-} الشورى

 

فالكريم يداه مبصوطتان ينفق كيف يشاء ويستجيب دعاء الداعين ولو بهمس في قلوبهم  إنه باب الفضل الذي لا يخيب من رجاه… فهل من فار إلى بابه يشكو إليه ما يجد من نقص فهم وقلة حيلة ، وغفلة عن معرفته وفتور همة الإقبال على الله ليجد البديل صدق همة طلب وجه الله، وصدق ذمة العقد الذي عقده بينه وبين ربه عند شهادته بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، وصدق الإقبال على الله.

اقرأ كذلك

العلم بالله

بسم الله الرحمان الرحيم   بركةالانتداب الرباني في الدعوة إليه   حينما تتعلق الكتابة بالذات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two × 4 =