سنة الله في إرسال الهداة إلى أقوامهم

سنة الله في إرسال الهداة إلى أقوامهم
في ظل قوله تعالى  {ِإنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }[الرعد : 7]]


انتهت النبوة وختمت الكتب السماوية عندما جاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم :

{مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الأحزاب : 40]

هكذا يوضح القرآن بأنه خاتم النبيين ولا رسالة بعد رسالته صلى الله عليه وسلم وشريعته مؤبدة إلى يوم القيامة.

واقتضى التأبيد أن يمضي صراع الحق والباطل إلى أن يأخذ الله الأرض ومن عليها.


ولما كانت بنو إسرائيل عناصر فساد كتب الله عليهم الجلاء في الأرض؛ ليمتثلوا تلك الجرثومة الخبيثة التي توقد شرارة الشر في كل قرية، وفي كل ناد،

{ وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} [الحشر : 3]،

وما ربك بظلام للعبيد، لكن طينة اليهود طينة خاصة ويكفي فيهم شهادة الله سبحانه وتعالى :


{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة : 64 ]

وصدق موريس ذي فرجي حيث صنف الإنسانية بصفة عامة واليهود عنصر خاص من عناصر الصراع السياسي. (مدخل إلى علم السياسة)

كما ااقتضت سنة الله أيضا إرسال الهداة والشهداء إلى أقوامهم ليمثلوا تلك البدرة الطيبة التي تمثل الخير، ليستمر صراع الحق والباطل إلى يوم القيامة.

{ِإنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ }[الرعد : 7]


{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً} [النساء : 41]

وهكذا من جانب :تمثل الشر في الشياطين واليهود، ومن جانب ثان : تجلى الخير في هداة لكل قوم وهم شهداء على أقوامهم ورسلا مبشرين ومنذرين.

{كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام : 108]

قد يأتي هذا التحليل غريبا عند بعض من لم يدرك معنى للتشريع الرباني، وقد يحتج مؤول النصوص الدالة على بعث المنذرين والهداة والشهداء رسلا إلى قومهم بدعوى أن الرسالات انتهت بخاتم النبيين.

وصحيح أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين؛ لكن رسل ربك تمضي على دينه تنفي عنه انتحال المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين، دون تبديل أو تغيير لأصل الرسالة المحمدية بهذا استحقوا أن يكونوا شهداء الله على أممهم.


{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [ النحل : 89].

يسميهم بعضنا مجددين، وقد نسميهم ربانيين؛ لما غلب على حالهم من سمت الربانية، وخلق رفيع، كريم، وقومة لله لا تخشى في الله لومة لائم. لا يكتفون بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة وإنما يستميتون على تحقيقها على الوجه الأكمل نصرة لله، وإحياء لسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، قراءته للكون من زاوية :

{فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم : 50].

لا يرى في الوجود إلا ربا وفضلا، يرى يد الله تطعم هذا، وتمنع هذا، ترفع هذا وتضع ذاك، وله في كل شيء قراءة سننية لا يحيد عنها.

وشتان بين مدع يتوسط المجالس ويتشدق بالعبارات، ويسم من شاء بالتطرف، وآخر بالاعتدال، وثالث بالتهور. فالرباني ترك الحبل على الغارب لمولاه فلا هويدعي ما ليس له، ولا يحشر أنفه فيما لا يهمه، تاركا أمر الخلائق لله جل جلاله، يفعل الواجب، ويترك المصير يصير.


{لكل أمة رسول} [ يونس : 47]

إنها أمور كلية لا مجال فيها لاستثناء مستثن. وقد يزيد هذا الجواب الحائر حيرة لما التبس عليه من جدة القول.

لكم يتسرب سوء الفهم غالبا من سوء معرفة أسماء الله الحسنى والصفات العلا : فالله جل حلاله وصف نفسه بقوله :


{ ولكن كنا مرسلين} [ القصص : 45]

وأسماء الله وصفاته دائمة بدوام الله لا تحول ولا تزول كما أن الفعل ” كنا” هنا يدل على الاستمرارية والدوام، هذا من جانب ومن جانب ثان قوله عز وجل :


{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص : 59]

تأتى صفة : ” ربك مهلك القرى” بصيغة اسم الفاعل دالة على الدوام والاستمرارية، أترى الله يهلك القرى من غير إنذار ومن غير أن يقيم حجته على عباده ؟

وما كان ربك بظلام للعبيد وإذا علمنا أن الله توعد :


{ وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً}[الإسراء : 58]

وإذا كان هذا الإنذار ماض إلى يوم القيامة وقد جاء في القرآن الكريم، فمعلوم أن الرسل تأتي تأكيدا لرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن بعده إلى يوم الدين، لتقيم حجة الله على خلقه. ويكشف اسم “مرسلين” ما لم يتبين للناس في واضح القول.

فهل يبقى بعد هذا البيان جحود ؟
وهل اتضح من أسمائه الحسنى ما خفي على الناس من الأمور ؟ وهل ندرك الآن معنى أقواله جل من قائل :

من مواصفات الهداة:

1- كونه واحدا لكل قوم:
{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً} [النساء : 41]

2- وجوده في كل زمن:
{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [يونس : 47] والأمة هنا بمعنى الأمد والزمن.

3- كونه داعيا إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت :


{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل : 36]

4- قيامه بالشهادة على الناس قسطا:
{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [النحل : 84]

5- كونه من جلدة بني قومه:
{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل : 89]

6- كونه ذي برهان وحجة:
{ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص : 75]

7- عداوة المترفين للهداة :
{ وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون}[ سبأ : 34]

8- كونه مطاعا بأمر الله ويلقى له القبول في الأرض
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ [النساء : 64]

9- استهزاء قومه به
{ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [يس : 30]

10- محاولة قومه اجتثاثه وقتله:
{ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } [غافر : 5]

11- كونه رجلا؛
{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [الأنبياء : 7]

12- كونه جاء بلسان قومه :
{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم}[ إبراهيم : 4]

13- كونه خبيرا بالله
{الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً }[الفرقان : 59]


14- كونه لله شاكرا:
{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}[الأنعام : 53]

15- كونه منيبا لله:
{َاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } [لقمان : 15]
16- كونه عدل ينفي تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين:

[ يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين]

(الراوي: إبراهيم بن عبدالرحمن العذري المحدث: الإمام أحمد – المصدر: تاريخ دمشق – الصفحة أو الرقم: 7/39 خلاصة الدرجة: صحيح)

17- كونه من آل البيت:
[وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يتفرقا حتى يردا على الحوض ]

(الراوي: – المحدث: ابن العربي – المصدر: عارضة الأحوذي – الصفحة أو الرقم: 7/159 خلاصة الدرجة: صحيح)

بعد كل هذه المواصفات ألم يبق لنا إلا ذكر اسمه.؟

اقرأ كذلك

أمارات فقه السنن الإلهية وتطلعاتها

لكيلا ننزلق إلى متاهات الإسلام السياسيي يلزم تحقيق مناط التكليف بالانضباط لقوانين السنن الإلهية حيث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seven + 17 =