الرئيسية / ثقافة عامة / حوارات / حوار مع الأستاذ حسن الأمراني

حوار مع الأستاذ حسن الأمراني

لا يتصور الإبداع بدون حرية

الشاعر حسن الأمراني: لا يوجد شاعر مغربي ذو بال لم يكتب لفلسطين

هبة الآغا/ الشارقة
الأديب والشاعر الدكتور حسن الأمراني، من أولئك الأدباء الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية الثقافة، وأمانة التاريخ، وجدارة الأدب، فتميزوا في مجالهم، وطافوا البلاد شرقاً وغرباً، وهم يبثون رسائلهم الأدبية والأخلاقية، عبر شعرهم وتدريسهم..
في جامعة الشارقة، حيث يدرّس الأدب، «العودة» التقت الشاعر الأمراني فكان حوار عن القضية الفلسطينية والقيمة والدور والشعر والشعراء في زمنٍ بات فيه كل غثاء، قصيدة شعر!

«العودة»: كيف يعرف الشاعر حسن الأمراني قرّاء «العودة» بنفسه؟
أتطلبين مني الحديث عن نفسي؟ ما من شيء هو أبغض إلى الناس من الحديث عن النفس. ليس في حياتي شيء مميز، وأكاد أقول ما قال برنارد شو، حين طلب منه كتابة سيرته: «لم أقتل أحداً لأكتب سيرة حياتي
».

فإن كان ولا بد فإني أقول: أنا واحد من جيلي، جيل الهزيمة.. جيل النكبات.. شهيد من شهداء حكام الجور والاستبداد.. أطلق صيحتي كلمة حتى وإن كانت صيحةً في واد، أو نفخة في رماد، ولكنها كما قال الكواكبي: في غد قد تذهب بالأوتاد.

«العودة»: حدثنا قليلاً عن «رابطة الأدب الإسلامي» ومجلة «المشكاة»، ونشاطك فيهما؟

رابطة الأدب الإسلامي العالمية، أنشئت عام 1986، في الهند، وكانت هناك ظروف موضوعية دعت إلى تأسيسها في ذلك الزمان وذلك المكان، وقد أفضى إلى الله عدد كبير من أعضاء الهيئة التأسيسية، منهم الشيخ أبو الحسن الندوي، وعمر الأميري، ومحمد حسن بريغش، وعبد الله الأنصاري، وأحمد فرح عقيلان، وغيرهم.. رحم الله الجميع.. واعتقادي أن الرابطة قامت بما كان ينبغي أن تقوم به، وقد أسست عدداً كبيراً من المكاتب الإقليمية والمحلية، من الهند حتى تركيا، ومن إندونيسيا حتى المغرب، وأصدرت عدداً من المجلات والدوريات، وعدداً من الكتب، بغض النظر عن قيمة ما نُشر.. وإن كانت لم تحقق كل أهدافها المرسومة.. وأظن أن الرابطة بحاجة إلى تجديد حقيقي في هياكلها ونظمها.. إننا اليوم بحاجة إلى مبدعين حقاً يعطون الأدب الإسلامي المعاصر هويته الناصعة، ووجهه الآدمي المشرق..
أما مجلة «المشكاة» فقد صدرت قبل ثلاث سنوات من إنشاء الرابطة، لا مبشرة بالأدب الإسلامي المعاصر الوليد آنذاك فقط، بل محتضنة التجارب النقدية والإبداعية الواعدة في هذا المجال.. وكثير من أولئك شبّ اليوم عن الطوق، وهو يحتل على الساحة الأدبية عربياً وإسلامياً وحتى عالمياً مكانة متميزة.. على أني أؤمن بالتجديد، وكما أن الرابطة بحاجة إلى تجديد، فكذلك تحتاج «المشكاة» بحاجة إلى تجديد في روحها وفي وسائلها.. ولعل الجيل الجيد يستكمل المسيرة التي بدأتها المشكاة منذ أزيد من ربع قرن من الزمان..

«العودة»: آخر نشاطاتك الأدبية؟ وعمرك الأدبي؟

كمعظم الأدباء تكون البدايات الأولى مبكرة ومتعثرة، حيث إن قصائدي الأولى التي بين يدي موقعة بتاريخ يعود إلى يوم كنت في الرابعة عشرة من العمر، بيد أن البداية الحقيقية لم تكن إلا يوم بدأت النشر، عبر الأثير ثم في المنابر الثقافية، وكان ذلك كله يوم كنت طالباً في الجامعة، وقد حضرت أول مؤتمر أدبي خارج المغرب، وأنا طالب في الجامعة.. كان ذلك في عام 1973.. أما آخر أنشطتي فعدد من الدواوين الشعرية التي تترقب يوم إطلاق سراحها، منها: «ديوان المقاومة»، و«في مديح النخلة العراقية»، و«عصافير بابل المحترقة»، و«يوميات ملك المغول»، و«ملحمة إيوان إقبال» وغيرها.. هل سترى النور؟ ومتى يكون ذلك؟ وهل يحين؟ علم ذلك عند ربي في كتاب..

«العودة»: هذا العام عام «القدس عاصمة للثقافة العربية»، فما رأيك بالمناسبة وهل شاركت في فعالية متعلقة بها؟

أعتقد أن القدس عاصمة للثقافة العربية حدث مهم جداً، ينبغي استثماره بشكل جيد، لكني أرى أننا في العالم العربي لم نستثمر بعد هذه المناسبة بشكل كاف، وذلك بسب الشوفينية التي صارت تتحكّم فينا، مثقفين وسياسيين، حيث صارت القطرية الضيقة تفرغ كل جهد وحدوي، عربيا وإسلامياً، من محتواه.. فقد كان من الممكن استثمار «القدس عاصمة للثقافة العربية» للتعريف عالمياً بثقافتنا العربية أولاً، وبالقدس ووضعيتها التاريخية والحضارية ثانياً.. فهل من مجيب؟ دعيت إلى المشاركة أكثر من مرة، لكن للظروف التي أشرتُ إليها لم أتمكن من المشاركة إلا مرّة واحدة، وكانت الظروف السياسية التي أشرت إليها قد تحكمت في طبيعة ما كان ينبغي قراءته، فاكتفيت أن قرأت من ديواني «شرق القدس..غرب يافا»، بالرغم من قدم هذا الديوان نسبياً، وهناك قصائد جديدة كثيرة كتبتها من بعد ذلك عن القدس وفلسطين.. ولكن.. في فمي ماء..

«العودة»: ماذا يعني لك ديوان «شرق القدس غرب يافا» ولمن أهديته؟
«

شرق القدس.. غرب يافا» هو ثاني ديوان لي مخصص للقضية الفلسطينية، بعد ديوان «المجد للأطفال والحجارة»، وإذا كان الشاعر مدعواً الآن إلى وحدة الديوان، بعد وحدة القصيدة، فإن هذا الديوان موحّد في موضوعه، موحد في رؤيته الفكرية، ورؤياه الفنية، وقد وافق ميلاده عدة أشياء.. ميلاد العمليات الاستشهادية التي توّجتنا بها أخواتنا، إن استثنينا استشهاد دلال المغربي الذي كان منذ أزيد من ثلاثين سنة وميلاد ابنتي أروى، هو مهدى إلى أولئك جميعاً..

«العودة»: ماذا يعني لك المكان؟
وطن أو منفى..

«العودة»: ماذا تعني الغربة في قاموسك؟
أستعير بيت أبي الطيب، ففيه بلاغة وبلاغ:
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني إن النفيس غريب حيثما كانا

«العودة»: كيف تشرح لنا المشهد الأدبي العربي في ظل التبعية للغرب من جهة والانهزامية من جهة أخرى؟

لست مؤهلاً للخوض في هذا الموضوع.. لكن يجب أن نفرق جيداً بين التبعية التي هي شرٌّ محض، والمثاقفة التي قد تكون خيراً محضاً إذا عرفنا كيف نستثمرها.. والانغلاق على كل حال لم يعد أمراً ممكناً، وهو في الوقت ذاته ضرره أقرب من نفعه.. ولكن المثاقفة تعني أن نظل على صلة قوية بذواتنا أولاً.. إنني أقول مع محمد إقبال «خودي» و«بي خودي»، إننا بحاجة إلى إثبات الذات ونفي الذات في الوقت ذاته، بنوع من التوازن الذي لا يجعل جانباً يطغى على جانب..

«العودة»: ما هي علاقة الحرية بالإبداع؟ وهل يمكن المبدع العربي أن ينطلق في ظل الرقابة على كل شيء؟

كلمة واحدة: أنا لا أتصور الإبداع بدون حرية، وبحسب تجربتي وتطوافي في البلاد شرقاً وغرباً، من نهر الغانج حتى نهر التايمز، صرت أعرف جيداً السر وراء ضمور الحركة الأدبية في بعض البلدان، ولماذا هي معافاة في بلدان أخرى.. إنني لا أفسر ذلك إلا بشيء واحد، هو الحرية.. والبلدان العربية متفاوتة في درجة الحرية، لكن الذي يوحد بينها هو أقرب إلى الاستبداد منه إلى أي شيء آخر. هل تصدقين أنني أحس بأن الرقيب يجلس على أصابعي عندما أكون في بلد عربي ما، وهو ما لا أحس به حين أكون خارج هذا العالم؟ هل تصدقين أنني أتنفس الحرية وأنا في لندن أو باريس أو دوسلدورف أكثر مما أحس بها وأنا في أي عاصمة عربية، بما فيها عاصمة بلدي؟ ستقولين: هل تعرضت يوما لمضايقة ما؟ وسأتجاوز التفاصيل لأقول ما قال أبو ماضي: «إنما الغبطة فكرة

«العودة»: كيف يمكن النهضة بالأدب من خلال الجيل الجديد؟ وكيف ترى الواقع العربي بشكل عام، والواقع المغربي بشكل خاص من الناحية الأدبية؟

لا أريد أن أنصّب نفسي ناصحاً ومبشراً في أمر قد يوجد من هو أفضل مني فيه بلا ريب.. ومع ذلك من حقي، بصفتي واحداً ممن يشاركون في صناعة المشهد الإبداعي أن أقول: ارفعوا أيديكم عن المستضعفين.. لماذا نتهم الجمهور وحده بالعزوف عن القراءة؟! لماذا لا نضع الإصبع على الجرح ونطلق صيحة صادقة في وجه أرباب الأقلام: إما أن تكتبوا أدباً تتحقق فيه الرسالية والجمالية، وإما أن تصمتوا.. الصمت أشرف من هذا الغثاء الذي يزكم الأنوف في ساحتنا الثقافية العربية..لا أستثني شكلاً دون شكل.. نحن لا نبدع، نحن نقيء الغثاء.. أفَنلوم الجمهور بعد ذلك ونقول له قولاً باطلاً، كان صواباً ذات يوم: لم لا تفهم ما يقال؟ أشهد أن الكتبة أنفسهم لا يفهمون ما يكتبون، ولا يتذوقونه، إلا أن الأجرب يحكّ للأجرب..

«العودة»: هل هناك توأمة بين القصيدة المغربية والهمّ الفلسطيني؟

الشعب المغربي كله ملتحم مع القضية الفلسطينية، والشاعر المغربي جزء من شعبه.. أكاد أجزم أنه لا يوجد شاعر مغربي ذو بال لم يكتب للقضية الفلسطينية، ولم يغنِّ لفلسطين.. بل أتجاوز الشعر إلى بقية أنواع الكتابة الأخرى..

«العودة»: ما هي آخر قصائدك؟

والله ما أدري، عندي عدد كبير من القصائد، بعضها طويل جداً، وقد يكون بحاجة إلى إعادة نظر.. فهل أعد آخر قصائدي ما لم يستوِ بعد؟ أم آخرها ما أذعته في الناس؟ عن حصار غزة كتبت: «الدخول إلى شعب أبي طالب»، لعلها ، بمعنى من المعاني، آخر قصائدي.
«العودة»: ماذا يعني مفهوم الأدب الإسلامي عند حسن الأمراني؟
وصلت إلى ما بدأت به منذ ثلاثين سنة، وعوداً على بدء أقول: كل ما هو إنساني هو إسلامي بالطبع، ولم يعد يعنيني كثيراً أمر التصنيفات الأدبية، المهم عندي أن أكون صادقاً مع نفسي، ومع أمتي، ومع البشر جميعاً، وأولاً وآخراً، مع ربي. أن أكتب ما ينفع الناس، رسالياً وجمالياً، ولا يعنيني أمر التصنيف..

«العودة»: كيف تنظرون إلى الواقع العربي عامة، والمغربي خاصة اليوم؟

لست متشائماً، ولكن استقرائي للتاريخ يقول: إن الأمة لم تشهد لحظة استضعاف ومهانة عبر تاريخها الطويل مثل اللحظة التاريخية التي تعيشها الآن. قلت هذا وكتبته وأذعته على طلبتي في المشرق والمغرب منذ عام 1993، وأرى الأيام تؤكده.. ولكن قدر الله غالب، وما بعد الظلام إلا الفجر..

«العودة»: ماهي أمانيك للأيام القادمة؟

أن يرزقني الله الإخلاص، فلا أبقي شيئاً من العلم أو الأدب، أو شيئاً مما جرى به القلم، إلا أن يكون فيه نفع للأمة، والإنسانية، وإني أستعيذ بالله من شهرة قد تؤدي إلى الرياء.».

————–
تعقيب:

الأستاذ حسن الأمراني؛

شكر الله لك، هذه الأقوال العليمة والتصريحات الملمة، وصدقت قولا ونطقت فعلا فالحرية أمر أساس في الإبداع، فمن ذا يكرم زهرة فواحة أو يثير البلبل إذا ترنم؟
وللحرية ثمن يؤدى، وضريبة تدفع، فالصدع بالحق، وعدم الخشية في الله من لومة لائم، والقومة لله والشهادة لله على النفس والوالدين والأقربين: تلك أول مقومات التحرر من رجس تلوثت به الأمة من جراء الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض.

اقرأ كذلك

حوار مع الشاعر الناقد: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

1- التقليد الأدبي: س) تنبثق جهود نقادنا وأدبائنا من تقليد للغربيين في اجتهادهم ;رؤاهم، حتى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − 9 =