تواصل الأرواح

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [ النساء : 83.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي : ” قد أجمع المسلمون على أن الــــرد إلى الله رد إلى كتابه وأن الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته رد إلى سنته1.

صحيح بأنه ينبغي الرد إلى مصادر التشريع لكونها المعتمد والأساس الذي انبنت عليه الشريعة, وهي المقياس والضابط الذي لا غنى عنه لمستغن ومع هذا الإقرار أرى أن الرد إلى الله هو التوجه إليه سبحانه و تعالى ليلهم الصواب ويسدد الخطى. وأن الرد .للرسول عليه الصلاة وأزكى السلام هو الرد أيضا للرسول لأننا لا نيأس من الموتى كما يئس الكفار من أصحاب القبور.

سيّجَ المتكلمون تكليم الله للبشر بسياج منيع حتى أضحى ميدان محرم الخوض فيه. و من أتى البيوت من أبوابها ولم يقف مع الذين لا يعلمون واستغرابهم :

{ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} البقرة : 118.

بل مضى في استنطاق النصوص والبحث عن سر قوله عز وجل :

] قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ البقرة : 118.

ليجد البيان الشافي و الكافي في قوله سبحانه وتعالى :

] وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ[ الشورى : 51.

هل وقفنا مع هذه الآية وقفة تدبر بعيدين عن علماء الكلام, أو حتى عن بعض المحدثين الذين نسبوا لله السكوت، وأن كلامه أزلي قديم. فأين هذا مما تعتقده غالبية الأمة من كونه جل وعلا متكلما؟

أترى الجليل جل جلاله يعيب على بني إسرائيل خرس العجل الذهبي ثم يرتضيه وصفا له ؟ فهل يعقل هذا ومن يقول به ؟

{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً } الأعراف ك 148

وإذا اتضح أن الله يكلم خلقه كيف شاء بالوسائل التي حددها وأرشد إليها؛ ألا نستحي ونقف مع مقتضى الأدب مع ربنا من تبجيل وتعزير وتعظيم ؟ ألم يعهد إلينا ببيان ما أبهم من كتابه ؟ :

{فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } القيامة : 18-19.

ألم يأمرنا جل وعلا بتقوى الله حتى نكون أهلا لمزيد علم؟ :

]وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ[ البقرة : 282.


فهل بقي لنا من عذر  بعد هذه الأدلة البينة في الرد لله ؛ وهو الذي لا يخيب من رجاه ولا يرد يدي عبده صفرا.


ب- كيفية الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم :

وقد يقول قائل أدركنا مقتضى الأدب مع الله, فكيف يكون الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؟

يئس الكفار من أصحاب القبور وجاءوا بعظام نخرة وقالوا من يحي العظام وهي رميم ؟ وانقطع حبل التواصل بين المؤمنين سلفا وخلفا لما هجر بعض الخلف تكليم السلف, وتمسكوا بظواهر النصوص, ومنهم من اعتبر زيارة مقام رسول الله عليه الصلاة والسلام من الأمور المنهي عنها. فكيف تنفتح لمن انطمست بصيرته لذة مناجاته؟ وإذا كانت تلك جرأتهم على رسول الله عليه الصلاة وأزكى التسليم فأنى يكنون أدبا مع من دونه؟

وإذا أدركنا أن منزلة الشهيد أدنى درجة من درجة الأنبياء، فهل ندرك أن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون ؟

قد لا يستغرب الإنسان حين يدرس السيرة النبوية ويعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى في بيت المقدس وأم الأنبياء بها في قصة الإسراء.

وقد لا يشك شاك في القرآن وهو يقرأ قوله عز من قائل :

]وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ[ الزخرف : 45.

]فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ[ يونس : 94.

ولسائل أن يسأل أين يعثر عليهم حتى يسألهم ؟ أم ترى الله يكلفه ما لا يطاق ؟ أم تراه كلاما عبثا ؟وتعالى ربنا وكلامه وسننه عن العبثية.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ[13] } الممتحنة

يا حسرة على العباد: هل استوينا مع الكفار في يأسهم من أصحاب القبور؟

وإذا كان تواصل السلف الصالح بين قديمهم وحديثهم من البديهيات عند الربانيين، أدركنا لا محالة أن التساؤلات لا تأتي إلا من لدن من انطمست بصيرتهم. وحق لهم أن يسألوا سؤال مستفسر متعلم لا استفسار متعالم متعال ؟

فالمؤمن لا يستعجز قدرة الله, ولا يكذب المؤمنين, ولا يرد شهادتهم ومشاهداتهم لأقوام عدوا في الغابرين, لكنه يدخل مدخل سيدنا إبراهيم عليه السلام من باب الاستفسار عن أمور تستغربها عقولنا الضعيفة :

{رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ}البقرة : 260.

والله المؤمن المهيمن لا يخلف وعده، وهو الكريم لا يخيب من رجاه.

لكم يصعب علي أن أسوق دليلا من الكتاب أو السنة في مجال ذهبت فيه العقول مذاهبها, وذلك خشية أن يتعصب متعصب لرأيه فينتقل من مجرد مخالف لرأي إلى كافر يطعن في النصوص, وأعوذ بالله وألوذ بحماه من أن أضِلَّ أو أُضَلَّ أو أِزل أو أُزَلَّ.

روى البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال سمعت النبي صلى الله عليه يقول: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي 2.

و في قوله سبحانه وتعالى :

{وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} النساء : 64.

ومعلوم بأن إذ مع الماضي تفيد الدوام والاستمرارية بمعنى كلما ظلموا أنفسهم جاءوك واستغفروا الله واستغفر لهم الرسول – وهو ما يميز الموقف – إذ دعاء الرسول ليس كدعاء بعضنا.

وهي أدلة واضحة على تواصل الأرواح و تلاقيها، فكيف بنا نستعجز التواصل مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ أو مع غيره من السلف الصالح؟.




1– كيف نتعامل مع القرآن العظيم. ص : 47

2– صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب من رأى النبي في المنام.

اقرأ كذلك

أقسام القرآن‏

يقول الحق سبحانه وتعالى : ]وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen − nine =