الرئيسية / ثقافة عامة / حوارات / بين الحوار و لغة العصا‏

بين الحوار و لغة العصا‏

بين الحوار ولغة العصا

كثر الحديث عن الحوار في الآونة الأخيرة، لا عن أساليبه وآدابه وتقنياته، إنما انساب الكلام انسياب العبد المطيع لما اتخذت أمريكا من 11 سبتمبر2001 وأحداثه ذريعة جزأت العالم إما معها ضد الإرهاب وإما مع الإرهاب ضدها .

أصيبت يومها بعمى الألوان عندما جرح كبرياؤها فصارت لا تعرف إلا اللونين الأبيض و الأسود, قننت القنوات من أجل تكديس حشود الخائفين على حده و ترتيب المناهضين لها في محور الشر.

و أضحى العالم فريقين و لم تجرؤ دولة على الانضمام لمحور الشر إلا من ساقتها أمريكا إليه سوقا.

و أنشد العالم أنشودة محاربة الإرهاب و جاءت الأموال وانقادت بسخاء إلى واشنطن و قدمت القربات تحفها زمجرة “حلف الناتو ” و زغاريد الحكام أما عويل المنكل بهم فلم يأبه به أحد، لكون صخب السمفونية احتضن الكل و رقص الناس على جراح الأبرياء, وصلى الكل صلاة خشوع و خضوع لتمثال الحرية بعد ما يئس الشيطان أن تعبد الأصنام في الأرض عقب مجيء الإسلام.

و جاءت أصوات تمشي على استحياء تنادي بحوار الحضارات منها أصوات صادقة أرادت أن تبعد التهم عن المسلمين، فنادت بأن الإسلام دين حوار ودين حضارة ولا يمكنه أن ينغمس أو يجر إلى أقذر الحروب المدمرة، ومنها أقلام مأجورة تريد إبعاد شبح الحرب عن ديارها عندما ارتعدت فرائصها خوفا مما حدث في أفغانستان، ومنها أقلام ثقافية همها الأساس مسايرة الأحداث السياسية ومواكبتها واستغلال الحدث لذر أموال واستجلاب منافع.

وهؤلاء و أولئك لا يصلح أحد منهم للحوار, هل فعلا ندرك أن المتحاوِرَيْن إن لم يكونا على نفس الأرضية وعلى نفس المستوى لم ينفع حينئذٍ حوار بل أضحى تفاوضا لانتزاع ما يمكن انتزاعه، أما أرضية المساواة فقد بعدت بعد المشرق عن المغرب.

و من المعلوم أنه لا أحد يستطيع أن يتحدى الظالمين والفاسقين ويقرع مسامعهم بكلمات جارحة وبليغة ترد الشارد عن الحق إلى الصواب إلا المسلم الذي أسلم أمره إلى الله وأعلنها مدوية ” ربي الله لا إله إلا هو ” ثم استقام على شرع ربه حينئذٍ يكون أهلا لوعود الله :

– ] إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا و في الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم [.[فصلت : 32].

– ] إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم و اخشون ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون[. [البقرة : 150].

و غني عن القول أن من كان الله والملائكة في نصرته انتصر لا محالة حتى ولو كان أعزلا مجردا من كل سلاح إلا سلاح الإيمان والتقوى في مواجهة أقوام بكاملهم بعددهم وعدتهم.

فهنا تنكشف القلوب التي فزعت خوفا وهلعا من تلميحات أمريكا فضلا عن تهديداتها، وتثبت الشم الراسخات لتعلنها مدوية باسم ربها :

{ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم و خافون إن كنتم مؤمنين }. [آل عمران : 175].

فترفع لواء التحدي عاليا : لا لشيطنة أمريكا ولا تستكين لها وهي تدك شعوبا مستضعفة، حتى ترجع إلى صوابها وتدفع التعويضات المستحقة للمستضعفين المظلومين.

هكذا يتموج المسلم صعدا وهبوطا حبا في الله وبغضا فيه, فلا شأن لمن يتعالى على الحق لكونه اسم الله والله هو العلي الكبير ، ولا خوف من الظالمين لكون المسلم يحي الحياة الأبدية السرمدية فإما أن يعيش عزيز الجانب مرهوبا من قبل أعدائه وإما أن يموت ليحي هو والآخرون وقد توفرت لهم حياة العزة والسؤدد : فأما هو فيجد عند ربه حياة الشهداء وأما هم فيعيشون في ظل شهادته وكنفها. وبهذا يتضح أن من رفع شعار حوار الحضارات في هذه الآونة أخطأ ثلاث مرات :

– الأولى لكونه خاف شيطانه وهلع قلبه وتملق بمقاله، و الخوف غريزة بشرية مطلوب أن توجه لخشية الله وحده و بالقدر الذي يحول عن المعاصي؛

– والثانية لأنه لم يقف الموقف المطلوب شرعا ليدين الظالمين على سوء فعلهم.

– والثالثة لكونه لم يدرك أن الحوار ليس هدفا في حد ذاته إنما هو وسيلة لاستهداء الناس ومعلوم أن الظالم قد تعهد الله أن لا يهديه :

{ والله لا يهدي القوم الظالمين } [البقرة :258]

و لا نرمي إقصاء الحوار مع الفضلاء و المنصفين و ذوي المروءات إنما نقصد الظالمين الذين عطلوا عقولهم وركبوا عنادهم وجحودهم.

فهل آن الأوان للأقلام المأجورة أن تنكشف وللصادقين أن يصدعوا بالحق لما تبين لهم الهدى، وليس بين هذا وذاك إلا منافق يحاول التستر عن أفعاله عله لا يصنف في خانة الإرهابيين ومن والاهم.

من هم الإرهابيون ؟

إن حمل السلاح في وجه الأبرياء العزل في زمن الفتنة صبيانية فكر أبانت عن فراغ جعبة حامله ، فلا هو يستطيع الإقناع بالحوار الهادئ الرصين البعيد كل البعد عن التشنج والتعصب ، ولا هو يلين في كف مقتدر حكيم يرعى للشرع حرمته وللناس دماءهم ولأهل الذمة ذمتهم.

إننا ننشد الحوار من أجل إقامة السلام العالمي فكيف بنا إذا كنا نحن أهل الفتنة وإشعال نار الحرب ؟ ألا يكون الشيطان قد انتدبنا لبعض مهامه ؟ و هذا أمر لا خلاف فيه بين جميع الناس.

و يبقى علينا تصفح من يأخذ سلاح الانتقام لثكالى نكل بأزواجهن و قتّلوا تقتيلا و لأيتام هدمت بيوتهم فوق رؤوسهم و لشيوخ أخرجوا من ديارهم و هلم جرا لما تقوم به إسرائيل من جرائم تساندها أمريكا بما أوتيت من قوة عدة وعدد ، وصدق الله العظيم :

{ ومن يتولهم منكم فإنه منهم } [المائدة: 51]

و هنا أيضا لا أجد خلافا ما دام لكل فعل ردة فعل تساويه في القوة و تعاكسه في الاتجاه ، و الشرع يقول :

{ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [البقرة:194]

ثم المنطق العقلي يقرر : {الشر بالشر و البادئ أظلم}. والمنطق الرياضي يبرهن :{ أن صديق عدوي عدوي }, و لولا حمل سلاح الانتقام لفعل الطغاة والبغاة ما شاءوا عبثا بكل القيم والمثل التي هي أساس كل مجتمع متحضر ، ولما نصبت محاكم وقنّنت قوانين تضمن الأمن والأمان لكل الناس في المجتمع الواحد. فكيف بنا لمّا أصبح العالم قرية صغيرة تديرها أمريكا ؟

أمريكا التي تبنت جرائم إسرائيل وباركتها ،بل وشاركت فيها مشاركة فعالة ، ضاربة بمشاعر مليار ونصف من المسلمين عرض الحائط، هالها أن تستفيق على صفعة قوية خدشت غطرستها فأعلنتها حربا على الإرهاب عندما عجز منطق حوارها عن إيجاد مساندة لمواقفها السياسية فباتت تشن الإرهاب ليس على الأفراد فحسب بل على دول بأكملها و انساق من ورائها العالم دون تحديد المفاهيم والمصطلحات لمدلول الإرهاب. فكأني بها في موطن فرعون وهو يخاطب ملأه :

{ ذروني أقتل موسى و ليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد } [غافر : 26]

فكيف يوصف صلاح موسى بالفساد ؟ فأحرى أن يقارن بفساد فرعون!!! لكنه منطق الاستكبار.

و منطق الاستكبار لا يقيّم الظروف والملابسات تقييما حقيقيا ولا يدخل في حسبانه إلا الأمور ذات الدلالات لتغيير موازين القوى ، وفضلا عن عجز العلوم الاجتماعية عند الغربيين عن إدراك سنن التغيير، فأنى لهم الأخذ في حسبانهم كل ما يغير موازين القوى ؟ و بات استدراج الله لهم من حيث لم يحتسبوا.

ليس في الوجود ما يفسر ترابط الأحداث و انضباطها غير سنن الله القرآنية فهل يسلّم الغرب للقرآن بتفسيراته العجيبة للأحداث والوقائع ويعلنها إسلاما لرب العالمين الذي أنزل القرآن رحمة للناس ؟ أم يتمادى الظالمون في جحودهم وعنادهم ؟

و نخلص مما سبق أن القضية الإسلامية قضية عادلة و حق لا مرية فيه, لكنها سقطت في أيدي محامين فاشلين ينادون من موقع انهزامي بحوار الحضارات. فمن ألحن حجة و أقوى برهانا و أرسخ قدما و أيقن علما و أوضح بيانا وفهما ؟ أالغرب الذي يدين إرهاب الأفراد و يمارسه على شعوب بأكملها ؟ أم القرآن الذي يشد على أيدي المؤمنين ويحثهم حثا لإقامة السلام العالمي ؟ ومن يحق له أخذ أستاذية العالم بجدارة و استحقاق ؟

خلاصة القول أن من رفض الحوار الهادف الرزين واستعلى واستكبر واستغنى بقوة عدد وعدة فتح للحروب أبوابا لا تسد إلا بفتح الحوار. وقديما قيل إن أكبر المعارك حسمت فوق طاولة خضراء و ليس في ساحة الوغى. فأولى للإنسانية ثم أولى لها أن تتفاهم بالحوار الهادف الراشد إلى الحق و الصواب وتقتبس من مشكاة الأنبياء نموذجا ينير السبيل.

الحوار على الطريقة الإبراهمية :

إنه لا سبيل أفضل لحب الخير للعالمين من سبيل الأنبياء فانظر سبيل سيدنا إبراهيم مع قومه وإلى الحوار الهادئ المطمئن الذي يعد نموذجا يقتدى به و يحتدا :

] ولقد أتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين, إذ قال لأبيه وقومه :

– ما هذه التماثيل التي أنتم لها عابدون ؟

– قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين

– قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين

– قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين ؟

– قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين. و تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين. فجعلهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون.

– قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين ؟.

– قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم.

– قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون.

– قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟

– قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ؟

فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون, ثم نكسوا على رءوسهم :

– لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ؟

– قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم؟, أف لكم ولم تعبدون من دون الله, أفلا تعقلون ؟

– قالوا حرقوه وانصروا ءآلهتكم إن كنتم فاعلين,

– قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم و أرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين[. [الأنبياء : 50-70].

ياله من حوار جمع بين حب الهداية للعالمين و تسفيه أحلام المستكبرين ،قرع الحجة بالحجة و البرهان ورفع تحدي المستكبرين بتسفيه آرائهم لعلهم إلى رشدهم ينهضون.

ما فزع من بطش قومه ، و لا أبه بعددهم و عدتهم و لا استكان لكبيرهم ولا راعى لقرابة حرمة لما تجرأوا على حقوق الله ، و لم يريدوا إرشادا إلى الحق و حوارا بالتي هي أحسن بل عمدوا إلى الاستنصار بالحمية لنصرة أصنام لا تسدي لهم نفعا و لا تدفع عنهم ضرا و لا ترجع إليهم قولا.

وقف داعي الله وقفة العزة الإيمانية و أراد أن يبدي عوار فكرهم وغطرستهم و قال قولته في عزة و إباء دون تلكؤ و دون كلام مبهم يحتمل من المعاني ما يحتمل ليختفي بينها ، بل انبرى يدفعه حبه لله و إخلاصه لـه و اعتماده وتوكله عليه وتفويضه الأمر لله ، وأسمعها لهم كلمة واضحة لا لبس فيها و لا غموض ، فلما نكسوا على رؤوسهم و لووا وأعرضوا ، تأفف في وجههم وفي وجه كل ما يعبدون من دون الله ، في تحد سافر لا يستطيعه إلا من باع نفسه ابتغاء مرضاة الله : إنها قمة التحدي انبعثت من الثقة الكلية بالله الواحد القهار ، وإنها لعقبة كأداء لا يقتحمها إلا المتوكلون على الله وحده.

ترى ما ظنك بربك الكريم و قد اعتمد عليه عبده و ركن إليه بكليته ؟

أتراه يخزيه و يسلمه للمتغطرسين حتى و لو تمكنوا منه و أخذوه أخذ عزيز مقتدر ؟

لقد أعدوا العدة و أشعلوا النيران وألهبوها إلهابا ليقذفوه بالمنجنيق فيها واتخذوا كل الأسباب و الوسائل التي تمكنهم مما عزموا عليه من إحراق يكون به عبرة لمن يتجرأ من بعده على الآلهة المزعومة.

اتخذوا الأسباب و الوسائل و ما أدركوا للكون سننا وقوانين بثها فيه خالقه لا تتبدل و لا تتغير بحسب الأشخاص و الأهواء و الأمزجة, بل تأتي وفق ما أودع فيها بديع السماوات و الأرض من سنن لا تحابي أحدا مهما علت مكانته أو سفلت.

– ليس بأمانيكم و لا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به

[ النساء : 123]

و مكروا مكرهم و رفعوها عناداً في تحدٍ لمن يجرؤ على مس آلهتهم الباطلة بسوء.

وألقوا به في النار, و انتهى كيدهم وتدخل أمر الله :

– قلنا يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم [الأنبياء : 69]

و لم يأخذوا بسنن الله في الكون الخاضع لجلال الله، و استجابت النار لأمر ربها وخرج إبراهيم منها و لم يأبه بحرها بل كانت له بردا و سلاما, و باعد الله بينه و بين قومه وخرج مهاجرا إلى ربه.

و أيقن الجاحدون أن مكرهم يبور وأن إبراهيم الذي أريد به سوء خرج معافى من النار, فانضاف البرهان اليقيني للحجة العقلية ليدحضا جحود الكافرين.

– انتهى الحوار لما انسدت منافذ العقل و غابت دواعي المنطق السليم بعد ما أعلنها القوم عصبية عمياء :

{ حرقوه و انصروا آلهتكم} [الأنبياء : 68 ]

بينما أثنى الله الثناء الجميل على إبراهيم و وصف حواره بالرشد.

{ ولقد أتينا إبراهيم رشده من قبل و كنا به عالمين } [ الأنبياء:51]

اقرأ كذلك

حوار مع الشاعر الناقد: الأستاذ الدكتور/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

1- التقليد الأدبي: س) تنبثق جهود نقادنا وأدبائنا من تقليد للغربيين في اجتهادهم ;رؤاهم، حتى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five + fifteen =