الرئيسية / ثقافة عامة / الوجهة الجديدة للنقد الأدبي / النقد الأدبي بين يدي السنن الإلهية

النقد الأدبي بين يدي السنن الإلهية

بين من يقتحم بحر الأدب ليستجمع ما حطبه الحاطبون، وما كتب في مجاله النقدي من طرق وتقنيات ومناهج، وبين من يقف على ساحل بحر الدين لينظر كيف تسلك سفنه مسارها،

وكيف تذلل الصعاب، وتستجلب اليسر بأيسر سبيل، وتدفع العسر سدا لمنافذه وصدا عن سبله : بون يراه بعضنا قريب المنال، وقد يذهب بعضهم لدراسة نقط التقاطع بين الدين والأدب كأنهما ضرتان تتميز كل منهما عن الأخرى ونراه بعيدا بعيدًا ، يتراءى للأبصار تشهده، وقد تزهد فيه، لكنها لم تلمسه ولم تعرف له قيمة؛ وتأتي هذه الفقرة إبرازا لما خسره الخاسرون بتنكبهم عن الصراط السوي إعراضا منهم عن ولوج بحره وركوب أمواجه لاستخلاص درره واستجلاب لآلئه.

والقرآن الكريم بنبرة بلاغته الجميلة ذات الإيقاعات الجليلة، والخطاب الرباني ذي التعبير الوجداني، وبروحه الطاهرة وتراتيله الباهرة، وبيانه الرائق، وأسلوبه الفائق يسلك بنا مسلكا يعلل أفعال الله، وينحو بنا نحوا نُجِلُّها به وندرك منها المغزى، ونفهم عن الله ترابط سننه القرآنية منها والكونية ؛ لنمضي على بينة من ربنا.

قبل أن نمتشق عباب أمواج بحاره اللطيفة ذات الجمال الجذاب بتضاريسها، وما يكتنفها من ألوان الشمس الذهبية، وما تشع به أشعتها المخضرة نورانية من إشعاعات فوق اللؤلئية ؛ أدعو القارئ الكريم لإثارة حافظته للتنبه لكل خاطرة تطرق مجال فكره، ولكل خفقة قلب تنبض بالحياة، وتسلس قيادها، ولكل إحساس وشعور طاف خياله، وسواء أحلق به بعيدا، أم جالسه مكانه، ولينظر لكل ذلك بالعين الناقدة بالفكر الثاقب. ونحن الآن أمام مشاهد لا ينسد أفقها إلا على محروم حرم الهداية الربانية، كما أننا أمام نصوص تنفتح مغاليقها بإذن ربهاـ وتتفتح معانيها تفتح الوردة من آكامها فتنبسط دلالاتها بمجرد الاستعانة بالله العلي الكبير، مصداقا لقوله تعالى : { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ(12)هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13)} غافر.

الاستعانة ب” الله العلي الكبير “، وهو اسم ثلاثي جاء على ترتيب خاص وبأسماء خاصة جليلة القدر عظيمة الشأن اصطفاها جل جلاله ليبين آياته للناس، ويكشف لنا ما غمض عن فهمنا، وما استعصى عن إدراكنا.
فلا يدرك للكون معنى إلا إذا علمنا المغزى الذي خلقنا من أجله، وما هي القوانين التي بثها ربها فيه ؟
فواعجبا لفيلسوف يستلهم أنفاس الأدباء ويغوص في أعماقها ليلمس إحساسها من نشوة وفرح، أو ما تطربه الذات، وما تستلذه من أصوات، وما تستعذبه من إيقاع ونبرات، وما يهز أوتارها من أحاسيس، أو ما تكشفه القراءة بين السطور من دسائس، وما يلمسه من أحزان، وما تشده من أشجان، وما تنغمس فيه من ويل وثبور، وما تعيشه من كدور، فضلا عن عذاب ظاهر أو مضمور، بينما هو لا يدرك للكون الفسيح قانونا ولا غاية وجود ؟ أنبعد السؤال إلى يوم الوفاة، حيث ننضاف لجملة الرفات ؟ أم نسرع بالدفن ليلا في جناح الظلام ؛ كيلا ننشغل بالموت ، ونمضي في سلام، بعيدا عن الخوض في الأسئلة المتسلسلة : من أين ؟وإلى أين؟ ولماذا ؟

تعالوا بنا لننغمس في بحبوحة الطمأنينة، حيث نرفرف في جو السكينة براحة ضمير، و في فسيح كون الله، وندخلها من سلّم الشك الذي يرتقي بنا إلى درجات اليقين.


ولئن اهتزت نفس شاعرية لمجرد تعبير جديد، ورنة لم تسبق، وخيال عابر، فكيف لا تهتز أمام نظم القرآن وأسلوبه ؟! كيف لا تختلجها الأنفاس، وتضيق بها الدنيا في تعبير واحد جاء بعدة أساليب متكاملة النسج، متشابكة العبارات والدلالات يشد بعضها على بعض ؟! وهذا فحل من فحول البلاغة : ” الوليد بن المغيرة يقول:” فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته؛ “1 .

وما لنا وقول قائل، أليست معنا حواسنا أليس لنا قلب ينبض حيوية، وهل غابت شاعريتنا حتى نستشهد بقول غيرنا ؟

{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)}الزمر.

حينما ندخل بحر الإيمان نندرج مع كل المخلوقات في السجود لله خاشعين خاضعين. قد يضطر المرء للركوع لمخلوق آنا، وسرعان ما تلبسه المهانة ويذوق الذل والاحتقار أوانٍ أخر، ويشعر كأن نفسه التي بين جنبيه تتمرد على هذه الحال، وتستشعر العزة للانقضاض على ذل المهانة ؛ لتلبس لباس عزها وترفع رأسها بين أقرانها. ولا سبيل لذلك إلا بالسجود لله شكرا على ما خلق من خلق وسخره في خدمتنا، سجودا يجعلنا أقوى من كل طاغية، أقوى من كل سلاح، لما نتأكد بأن الخلق والأمر شأن من شؤون الله جل علاه، وحده دون من سواه.

{ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)}الأعراف.

هناك حيث يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا يرتبط المؤمن بأوقات يتداخل فيها الليل والنهار ليؤدي مهمة العبودية بعزة وافتخار، كأنما يصيح من أعماقه : كفاني فخرا أن تكون لي ربا وكفاني عزا أن أكون لك عبدا !

عبودية تفك رقبتك من كل ذل، وتحرر نفسك من كل خوف، وتطلق عنان مشاعرك وقوتك لتتحدى كل جبار عنيد، لتعلن الحرب على الظلم بكل أشكاله، وألوانه، وهو ما يفجر أنفاس شاعريتك، ويطلق لسانك بالمحظور في عرف قوانين الطغاة.

وحرية تحررك من ربقة التقليد ؛ لتفجر المكبوت، والمطمور من فنون نقشك إلهابا لمشاعرك وإحساسك لتجود بما به برعت عبقريتها، وما صاغته ريشة أناملها، لتحلق في أجواء النجوم وتلتحق بالثريا، ومن هناك من تلك الأعالي تخفض جبهتها على الأرض في سجود لله وتطوف محلقة على الكعبة دوران أجزاء الذرة على نواتها يسارا، بينما كل أعمال العبادات استأثرت بالبدء يمينا ؛ ذلك لتستشعر بأنك جزء لا يتجزأ من هذا الكون المسخر خصيصا لخدمتك. أتراك بهذه المنظومة من القوانين تلتحق وتتصل؟ أم عنها تتولى وتنفصم ؟

{ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ}الزمر.

وبين الدين والأدب تجاذب وتضاد في رأي أدبائنا، فالدين لسان المواعظ، فمهما نُقشت لوحتها، وتُزينت وجاءت بألماس وجواهر كريمة بليغة، فهي لا تعدو وعظا جاف الطبع لا نداوة فيه ولا جمال يعتري صفحته، فأي التقاء للدين بالزخرفة والجمال والتنزه في أجمل الرياض على ضفاف النيل، حيث تتبرج جمالية ذات الإنسان، بكل ما حباها الله من خلال جذابة مشرقة وضاءة؟.

n

عجيب أن ترى أديبا يمضي بشاعريته يحلل أنفاس الأدباء، وما تفيض به خلجاتها، ويهتز لكل نبرة تدغدغ المشاعر، ولكل خفقة قلب تسقي الذات بماء الحياة، ويتنسم من هذا وذاك فضلا عما أخذه من جمال أخاذ لللوحة الفنية، جولات الوقائع في دنيا الناس بآلامها وآمالها، سواء في بيئته، أو في قطره أو في وطنه الكبير. وهنا منتهى أحاسيسه وحدود ما تكتشفه عبقريته من النص، وكأن الأحداث تدور في جزيرة خارج الكون، ولا تدور في رحيب كون الله الذي لا يعرف نظامه للعبثية معنى ولا مبنى.!!!

وتناول النقد الأدبي من زاوية السنن الإلهية؛ لتضحي ضوابطه الأصيلة مرجعا يخرج الأدب الإسلامي من دائرة الفنون إلى حيز العلوم المؤصلة، وذلك لفك معضلة التميز بين ما هو إسلامي وغير إسلامي وما هي ضوابط الفاصلة بين تلك المعالي وهذا الخضم الموبوء، وبخاصة في واقع تتوزعه خمسة مذاهب فقهية، فضلا عن سادس كان أشدهم وقاحة وجرأة على الخلف والسلف جميعا. أضف إلى ذلك كتابات المنافقين من العلمانيين.

ونحن بين يدي السنن الإلهية لنتساءل أولا:

ما هي السنن الإلهية ؟ وكيف نفصل الكلم على وفق ضوابطها لنندرج في فسيح كون الله في سجود قلب خضع لجلال مولاه؟

وكيف ترفع السنن الإلهية التحدي عاليا بكون شمس الجمال لا تشرق على درب الشيطان؟؛ إذ الجمال ترابط الأرواح السماوية بالأرضية في طمأنينة ضمير تهز المشاعر وتسقي القلوب بماء الحياة فتبصر أثر رحمة ربها بأرض باتت خاشعة فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج…

ما كان الأدب الإسلامي مجرد لوحة وعظ، ولا رضي بمجرد طواف فنان على ساحته، وإنما هو جمال أخاذ تلتقي فيه الموسيقى الدافئة تنعش الروح وما يتنسم من نسائم العطر الذي يملأ الحدائق الغناء، وبها يشدوا البلبل أحلى شداه. فتستيقظ عندئذ مواهب الدفينة وتعرب المشاعر عن خلجات القلوب وينهمر الإلهام الفياض باللآلئ والجواهر الكريمة على الأقلام كأنه تنزيل من التنزيل، على فارق بينه وبين الوحي.

اقرأ كذلك

الواجهة الجديدة للأدب

عجيب أن ترى أديبا يمضي بشاعريته يحلل أنفاس الأدباء، وما تفيض به خلجاتها، ويهتز لكل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 4 =