الرئيسية / ثقافة عامة / الكتابة الأدبية / الشاعرية بين الشعر والنثر

الشاعرية بين الشعر والنثر

مدخل: حرب المصطلحات

بين خلط المفاهيم ودمج أوراق يحلو لبعض العابثين التستر وراء المصطلحات لقصف البنايات المحكمة وإزالة نقوش رونقها، وجمالية كمالها، لما أعوزتهم الحيلة لإدراك عليائها وبلوغ منتهاها، فعمدوا إلى رشقها، بأوصاف تباهي زينتها، دون موسيقاها، وإيقاعها، ونظم عباراتها.
وأوصى القرآن الكريم بضبط المصطلحات وتحديد المفاهيم حتى لا ينجر المرء إلى مخطط لا يدرك له أبعادا، ولا يعلم له حدودا، فقال سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة : 104] وما عبارات {واسمعوا} إلا تأكيدا على أهمية الأمر، وإلحاحا على العناية به، حتى لا نأخذ على حين غرة. وبالرغم من كون {راعنا } و{انظرنا} تحملان نفس الدلالة اللغوية فأن من معاني المراعاة تخفيف الأحكام ، بينما يكون معنى ” انظرنا ” الإمهال .
ومن الغريب أن يعمد فقهاؤنا إلى قاعدة ” لا مشاحة في المصطلح ” فإن مشرف أبو هواش له رأي مخالف إذ يقول : “من غير الجائز إذن أن نعمم هذه المقولة الشرعية الخاصة، لأن المقصود بها هو المصطلح أو الاصطلاح الشرعي، ويكون تمامها هكذا: (لا مشاحة في الاصطلاح الشرعي)، فحين يكون المصطلح الشرعي) غير معارض للنصوص (الشرعية)، يمكن أن نقول (لا مشاحة في ذلك الاصطلاح). ولا يجوز بالتالي أن نعمم هذه المقولة على عموم المصطلحات الأخرى، لأن هناك مصطلحات غير شرعية شائعة كثيرة، مصطلحات غربية أو علمانية أو لا دينية مناقضة للشرع الإسلامي، ولا يمكن أن تنطبق عليها هذه المقولة، بل يمكن أن يكون كل منها مثالا وشاهدا حيا على عكس ذلك، أي على (إمكانية المشاحة في الألفاظ والمصطلحات). ولا يصح أن نجعل من مقولة شرعية مثل (لا مشاحة في الاصطلاح) مبررا لاستعمال الكثير من المصطلحات الغربية غير المشروعة والتي تتعارض صراحة مع الشريعة الإسلامية.”[1] ومن جملة ما أراد بعض الأدباء دمجه وتخليط دلالاته مصطلح الشعر والشاعرية:

بين الشعر والشاعرية


– الشاعرية تلألؤ أمواج الجواهر وتلاطم شكلها ومبناها بين ضفتي الفن والجمال.
– والشعر ليس هو النظم المقفى ذي معنى في ربى الفن والجمال فقط.
تقول الشاعرة نبيلة الخطيب[2]: جوابا عن سؤال : ” ما رأيك فيما يكتب اليوم من كتابات نثرية تنسب إلى الشعر رغم افتقادها إلى أبسط قواعد الشعر وضوابطه؟ فكان جوابها : ” الشعر هو الشعر والنثر يبقى نثرا حتى لو كتبناه بشكل طولي أو عرضي. أقول إن الكتابات النثرية إذا أتقنت كتاباتها تصبح أدبا جميلا أو نصوصا قد تكون بديعة ولكن لبست شعرا.”[3] ومهما صدقت فحالفها التوفيق أو خالفها، فليست لأقوالها مصداقية القرآن، لكن القرآن يشد على أقوالها؛ إذ القرآن الكريم قول جميل أفحمت بلاغته البلغاء وزادته شاعريته بهاء ونورا يضيء أرجاءه، ومع ذلك كله يشهد له ربه بقوله {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة : 41].

وحتى نستبين من الأمر تأتي هذه المقاربة لرفع الستر عن كل متستر وراء المصطلحات كي نرد كل أمر إلى بابه ومفهومه.
فما عسى أن تكون شاعرية الشاعر؟ أيكتب الشاعر نظما، أم شعرا ؟ أو يكتب الناثر كتابة شاعرية تأخذ بتلابيب العقول وبأحاسيس النفس وتدغدغ القلوب لتهتز من أعماق باطنها فتقبل إقبال المحب وتدبر إدبار العشاق…
وقبل أن نتناول أقوال الأدباء بالنقد والتوضيح لماهية الشاعرية كي نستبين من أمرنا نمر مر الكرام على أبيات ازدهت بلاغة ونشرت جمالها وانتشت نشوتها من جراء ما بها من ثقل الإحساس الشعري.وأبيات لنلمح الجواهر تتلألأ من بعد بعيد، في تلاحم للمعنى والمبنى بين ضفتي الفن والجمال.

يقول د. حسن الأمراني : في مطلع قصيدة بعنوان : حيراء

لقد لثمت شفاههم الثـــربا ويلثم قلبي النور المذابا
رحلت إلى الضياء وقد أقاموا ومن رضي الهدى اجتاز السحابا
وما سيان قلب مطمئـــن وقلب راح يضطرب اضطـرابا
ولي بالمصطفى نسب عــــــريق ولا آلـــــو بحبه انتسابا
إذا ما جئت روضــــته بقلب مشوق يسكب الدمـع انسكابا….

ولنفتح مسامعنا للأستاذ د. الرباوي في قصيدة بعنوان حبيبي ألقاها بمناسبة أمسية شعرية احتفالا بالمولد النبوي :
حــــــــبيبي
د. الرباوى

بمر تمر الغزالة فجرا فتنشر في الرمل مسكا و سحـرا
فريم عشق الغزالة بالقلب إذ شق في مدغل العمر غمـرا
ورش عظامي أريج الحبيب فصيرني الشوق في القفر نهـرا
حبيبي … بهذا الزمان انكسر فكيف أعيد مع الدجن بـدرا
وهذا الحرب الكثيف رهيب يهدد كالموت صدرا فصـــدرا
حبيبي … بأرض الجزيرة شيدت حصنا هدمناه سرا وجهرا
نشرت الكتاب وقلت اجعلوه ربيعا لكل القلوب و عطـرا
هجرناه هجرا رهيبا ورحنا إلى الروم نطلب شمسا و بدرا
ملأت حياتك بالكوثر العذب رتلها القلب ليلا وفجـرا
ونحن ملأن الحياة عجاجا شربنا بأكوابها الخمر جـمرا
هجرت إلى الشمس تطلب نورا طهورا وتطلب ســترا
ونحن إلى الغرب نطلب دنيا فضاعت فلسطين شبرا فشـبرا
……………………….

فمن يغص إلى أنفاس هذه النفائس، يجد لؤلؤا متناثرا ودررا فياضة، وجواهر كريمة تملأ الأكوان نورا مبينا.

وبين من يهيم في معان وأحاسيس الشعرية لهذه الأبيات، وبين من راح يستشف النوادر البلاغية وجمالية للتعبير بحر عميق؛ فالشعر هز للنفس الشاعرة وعزف على أوتارها الحساسة، والكلام الجميل قد يكون نظما كما قد يكون نثرا ولا يسمى أبدا شعرا.
وكي نستبين الفرق هذه أبيات جميلات للأستاذ عبد السلام ياسين في المنظومة الوعظية:

حيث قال : ” هذه منظومة وعظية حذَوتُ فيها حذو بيتين عثرت عليهما، نسبهما أبو العباس المقرى للإمام البخاري رحمه الله .ذكر ذلك المحبي في – خلاصة الأثر- قال الإمام البخاري:

اغنتم في الفراغ فضلَ ركــــــــــوعِِ فعسى أن يكون موتُك بغتة
كم من صحيح قد مات قبل سقيم ذهبت نفسه النفيســــــة فلتَه

******
وقلت ناسجا على المنوال :

وعزيزِ في سربه مطـــــــــــمئــِن سلتته منه المـــــنيَّة سَلـــــــــتَه

كم من خطيبِ فـوق المـنابر يشـدو أسكتته للآجال أيـــــــــّة سكتَه

كم رئيس على العــــــــباد تمطَّــى مدَّدَتهُ المَنونُ جيــــــــــفَةَ مَيتَة

فاغتنم فـضل ليلـــــــــــــة ونهـارِ وكأنَّ مضجع الفِــــــراق رأيتـه

وكأنَّ قد سمـــــــعت نوح البواكـي وكأن عَلقم الفجــــــــــيعة ذقتـه

وكأنَّ الأكفَــــــــــــان قد أحضروهـا وكأنَّ الغسّال يُخفِتُ صــــَوتـه

وكأنَّ الفــؤوس للأرض تــــــهوِي شقت القبر عرضَ شبر قدَرتَـهُ

حملوا النعش مســــــــرعين خفافا هو ذا مَوعد التَّوَسُّــــــــدِ جئتَـه

طرحوا، أنزلوا، وَوَارَوا شُــخَيصاَ ذهبت نفسه النفـــــــــيسةُ فــلتَه

*******

يا لروعة التعبير ويا لجمالية الألفاظ ، ويا لجلال الإيقاع الموسيقي تتمازج وتتماوج في بحر الجمال بعيدا عن دواوين الشعر وأحاسيسه.

ومن هنا يدفعنا الفضول للبحث عن الشعر والشاعرية، وفي هذا الصدد نسوق أقوالا لنضعها في محك التمحيص عسى أن تنكشف ألوان صدقها وتتمايز عن بهرجها: ونبدأ بتعريف الشعر : فما الشعر إذا؟

يقول سامي البارودي : ” لما كان الشعر من حيث هو فيض الشعور والوجدان نتيجة اهتزاز أوتار النفس البشرية أمام الحياة الكامنة في الأشياء، فإنه على قدر الاهتزاز وقوته يكون على مقدار عمق الشاعرية في الشعر؛ ذلك أن الهزة التي تستولي على نفس الشاعر كلما كانت قوية تكشفت أسرار الحياة ومعانيها لوجدان الشاعر في حقيقتها، فتجعل الشاعر قادرا على النفوذ عن طريق وجدانه إلى ما وراء المظاهر الخارجية للأشياء.
ومن هنا يمكن أن يقال بأن الطبيعة تلقي جانبا من معانيها الخالدة لنفس الشاعر في اهتزازات أوتار نفسه أمامها. فالشاعر أشبه بآلة موسيقية أمام الطبيعة، والطبيعة كالأنامل التي توقع عليها، والأنغام كالشعر الذي يفيض به وجدان الشاعر” ( II-167).[4]

*******

هكذا يبرهن البارودي بأن شعر الشاعر يكمن في شاعريته، والتشبيه الذي ساقه، وإن أبان المراد منه، يتعقبه بحث طويل قد يخرجنا مما نحن بصدده.

*******

ويقول الوزاني : في تعريف الشعر :
” لا تنظر إلى الشعر على أنه بيت موزون مقفى، ولكن انظر إليه على أنه روح وطبع قبل كل شيء؛ إذ من هذين العنصرين يتكون موضوعه الحقيقي، وبدونهما يكون قد فقد معناه, وبقي مبناه لا تتعدى دلالته أن تكون كدلالة إطار لا صورة فيه, أو قيثارة ليس فيها وتر واحد يعطيها بعض معناها, ولا تنظر إلى الشعر على أنه ألفاظ وعبارات قد خف نغمها, واستقام وزنها، ولكن انظر إليه على أنه أصل من أصول الحياة الإنسانية الروحية التي بجماليتها ينمو الكيان الروحي للإنسان ؛ فالألفاظ الخلابة, والعبارات الشائقة؛ إنما هي نظام ومعرض لنفوسنا الإنسانية الشاعرة, فهي أصل من أصول الصناعة الفنية, وليست أصلا من أصول وجودنا الروحي الذي نطلق على إثره اسم “الشعر”، ويظهر من كلامنا أن الشاعر لا يجيد القول إلا إذا استوحى طبعه وروحه مخليا لهما الطريق في الجود والإيحاء, متوخيا الطرق التي توسع من مجال طبعه وروحه حتى يكون شعره أحسن وأتم. وهنا تعرض لنا مسألة طالما عرضت لتفكير الكثيرين من الأدباء وأرباب الأقلام, ولا زال مجال القول فيها متسعا لأكثر مما قيل, تلك هي مسألة التماس عذوبة الشعر عن طريق التزام “البلاغة”, وتمثل قواعدها للذهن حين قول الشعر، فهذا خطأ يظهر بوضوح متى عرفنا كيف يقال الشعر. وبذلك الالتزام وبهذا التمثل ننسى طبعا الذي لا يغنينا عنه شيء في الأعمال الفنية والأدبية، وحينئذ نكون قد بالغنا في الصنعة، فلا نصنع إلا غرابة قوية بين نفوسنا وطبائعنا وبين ما نسميه الشعر ؛ وبذلك نكون قد جردنا الشعر من الطابع الذاتي, والملامح الشخصية. ولعمري إن شعرا هذه صفته لكذب صراح على الشعر وحريته، الحرية الشعرية التي هي ناموس يفرض علينا القانون الفني أن نحفظ له مزاياه, ونقدس منه سره، ولعمري لا حياة للشعر إلا بهته الحرية, ولا وجود لجماله إلا بوجودها واشتمالها على الجو الذي يتنفس فيه الشاعر.
والعذوبة غرض هام من أغراض صناعة الشعر، وإلا ففيم عناية الشعراء بجمال ألفاظهم ومعانيهم، وفيم اهتزازنا حينما نسمع الشعر الجيد، ولكن أين نلتمس هذه العذوبة ؟ في اللفظ أم في المعنى أم فيهما معا ؟ ها هنا مفترق الطرق، فهناك من يذهب إلى أن اللفظ هو وحده الذي يجب اختياره ومراعاة جماله, وإحلاله المكان اللائق به ؛ لأنه لا جمال للمعنى إلا بجماله، والمعنى إذا كان رديئا وأبرز في لفظ جميل أنيق اكتسب من جماله جمالا لم يكن فيه. وهناك من يتمذهب بمذهب المعنوية فيرى أن المعنى هو كل شيء, وليس اللفظ شيئا إلى جانبه ؛ لأنه لو لم يكن الفكر لما كان اللفظ. وهناك من يقسم العناية بينهما قسمة عادلة فينظر إلى القيم الجمالية في اللفظ كما ينظر إليها في المعنى, وهذا الاتجاه هو الصحيح ؛ فجمال المعنى وصحته لا جلاء لهما إلا في اللفظ الجميل الصحيح، واللفظ الجميل الخلاب لا قيمة له ما لم يستكن تحته المعنى البديع. وبالجملة فإن الصورة الأدبية الجميلة هي التي اقترن فيها جمال اللفظ بجمال المعنى، فلا غنى لهذا عن ذاك في الإشعاع والعذوبة والحسن.
إذا عرفنا هذا أمكننا أن نكشف عن بعض المواد التي تحصل باستيفائها عذوبة الشعر ؛ وذلك أن هذه العذوبة تتوقف على أشياء، منها قوة الشاعرية، وصفاء الطبيعة الفنية, ورقة الإحساس, وصقل النفس, وتهذيب الذوق, وجمال الأحلام, وبلاغة الخيال. هذه أشياء شخصية ذاتية، وهناك أشياء أخرى تتعلق بالصناعة، وهي في الجملة صحة اللفظ, وأصالة المعنى, وتناغم الأسلوب. فصحة اللفظ ملاءمته لحياة العصر اللغوية، فالصواب تجنب اللفظ الذي وقفت به الحياة في فترة من فترات التاريخ اللغوي، والتماس اللفظ الذي له معناه في الحياة اللغوية العصرية، وأن يكون – أي اللفظ – أليفا للنفس تستأنس به, وتنعطف إليه ؛ فبهذا الاستئناس وهذا الانعطاف تتهيأ له في النفس حياة كبرى هو عينها النضاخة، وحياة الألفاظ إنما هي في حياة النفوس ؛ فاللفظ إذا كان غامضا على الذوق عجز عن النفاذ إلى النفس، وكان له من سخافته ما يصده عنها فلا يتجاوز طاقة الأذن، فهو لفظ ميت جاف ؛ إذ لا مؤاخاة بينه وبين النفس التي هي المادة الكبرى في حياة الألفاظ. فتعاشق اللفظ والنفس فيه ضمان لانفعال كل منهما بقوة الآخر، وفي هذا أكبر الفائدة للتمدن اللغوي، وأن يكون – أي اللفظ – عاملا من عوامل توسيع دائرة المعنى، فلا يكون ضعيف الدلالة, ضئيل الأثر في النفس, ضيق الجوانب ؛ فالصواب أن يكون على المعنى أدل, وبه أليق, وللذكريات النفسية أحسن مثير.”[5]

*******

ويبرز الوزاني رغم أنه لم يثبت عنه كتابة بيت من الشعر لكنه ذواقة حتى النخاع؛ فهو يضيف إلى ما تقتضيه صنعة الشعر من نظم وقافية : اصطفاء الألفاظ والهيام في بحر الشاعرية ليتذوق المتذوق عذوبة الشعر ولذته التي تهتز له الأنفاس قبل النفوس ويستوحيها القلب قبل الشعور.
وصحيح بأن الشعر من غير شاعرية لا يعني إلا أنه كلام منظوم مقفى ذي معنى؛ لكنني أستشف من تركيزه على جانب الشاعرية والتذوق وجمالية الألفاظ والابتعاد عن اللفظ الهجين والذي ينفر منه الطبع قبل النفس، كل هذا ليسبغ دلالة الشعر على الكلام المنثور ذي الشاعرية المتوثبة…

وهل صحيح ما جادت به القريحة واستنبطه الحدس من إيحاءات معالم كتابته عن الشعر وتركيزه على الشاعرية بالخصوص، هو خلط بين الشعر والشاعرية؟ ولهذا نسأله ثانية : ما الشعر ؟

*******
فيجيب الوزاني :
“وهل الشعر في حاجة إلى تعريف ؟ أليس هو هذه العواطف والخواطر والفكر انتظمت في فن من القول يجمع بين الجمال والنظام ؟ ألم تتسع صفحات الكتب لتعريف الشعر مرارا حتى لم تبق زيادة لمستزيد ؟ ألم تبلغ تعاريف الشعر من التنوع إلى حد أنها قسمت إلى تعاريف فلسفية, وتعاريف منطقية, وأخرى فنية خالصة, ورابعة نفسية ؟ ألم نجدها تتنوع ما بين ضيقة شديدة الضيق, تنحصر في القصيدة, ومتسعة قليلا تشمل جميع فنون الأدب, وفضفاضة تمتد إلى جميع الفنون الجميلة, بالغة السعة, تشمل كل الخواطر والتأملات الجميلة بقطع النظر عن شكلها, قالبها, فيدخل في الشعر بهذا المعنى مناغاة الأم لرضيعها لينام, وترنم الخادمة لتذب عنها عناء العمل, ومناجاة العبد ربه في لحظات الإشراق والخشوع… وما إلى ذلك من كل لفظ عذب يصدر عنا في حالات الاهتياج العاطفي, والتأثر النفسي, والصفاء الفكري ؟[6].
*******

فالتنصل من الإجابة ليس موقفه الخاص بل موقف كل من إسماعيل أدهم، وإن تراجع عنه في آخر الأمر، واقتبسه منه العقاد ومن هؤلاء رضع الوزاني ألبان شاعريته.
وحينما أجاب أبان عما يكتنف فكره من غموض وما يلتبس عليه من أمر الشعر والشاعرية؛ بل ها هو يوضح بجلاء ما تنطوي عليه جوانحه معربا بصريح اللفظ الذي لا يترك التباس:
“كون الشاعرية في معناها العملي التطبيقي هي عواطف أصيلة صادقة مصوغة في قالب جميل مؤثر له إيقاع، وهي بهذا التعريف البسيط تتحقق عند من نسميه شاعرا، وقد تتحقق حتى عند من نسميه ناثرا.”

*******

وبهذه الأقوال للوزاني لا يبقي لنا أدنى شك بخلطه بين ما هو شعر وما هي كتابة نثرية. وها هو يؤكد هذه الحقيقة بنفسه

*******

ولنتركه الآن يعرفنا بالشاعرية : “وظاهر أن الشاعرية هي قبل كل شيء ملكة روحية تعتمد على الأصول الطبيعية في ذات الشاعر, فتقوى وتضعف تبعا لحظ تلك الأصول من القوة والضعف.
وهذه الأصول التي تقوم عليها الشاعرية قد فرغ الناس من القول بأنها هبة من هبات الطبيعة ؛ فطبيعي أن تكون الشاعرية التي ترتكز عليها هي الأخرى توهب بالفطرة, وإذا لم توجد أصولها في الطبع فلن تستطيع أية وسيلة أن تخلقها وتكونها.”[7] *******

يقول عبد الواحد الخفاجي[8] سيرا على درب الوزاني في الخلط بين الشعر والشاعرية: ” الشاعرية : اللغة التي يغيب فيها المعنى لصالح الدلالة، وتغيب فيها الدلالة المباشرة والصريحة لصالح الدلالة الإيحائية،-التخييلية- ، كما يتأكد اعتناؤها بالمقصدية الواعية لدى منتج النص إلى مجاوزة الأساليب المعهودة، أو السائدة، أو السائد من المعهود اللغوي، أو بالمعنى هي تؤكد على طموح منتج النص/ المبدع إلى انجاز نص شعري أمثل، متفوق على غيره من النصوص، ومن هنا يكفي الناقد لنفي الشاعرية عن النصوص تحديد الشائع من الأساليب أو استخدامات لغوية مستهلكة”.
*******

بين النثر البديع والنثر الشاعري



يقول مصطفى صادق الرافعي : ” والفقيه الذي يتعلق بالمال وشهوات النفس، ولا يجعل همه إلا زيادة الرزق وحظ الدنيا ـ هو الفقيه الفاسد في خيال الناس، يفهمهم أول شيء ألا يفهموا عنه؛ إذ حرصه فوق بصيرته، وله في النفوس رائحة الخبز، وله معنى خمس وخمس عشرة…وكأن دنياه وضعت فيه شيئا فاسدا غريبا يفسد الحقيقة التي يتكلم بها، ولست أدري ما هو الشيء، ولكني رأيت فقهاء يعظون ويتكلمون على الناس في الحرام والحلال وفي نص كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ثم لم أجد لكلامهم نفعا ولا ردا، إذ يلهمون الناس بأرواحهم غير المعنى الذي يتكلمون فيه؛ فتسخر الحقيقة منهم ـ على ـ خطرهم وجلال شأنهم ـ بذات الأسلوب الذي تسخر به من لص يعظ لصا آخر فيقول له : لا تسرق…”[9]

إنه نثر بديع تستلهمه العقول قبل كل شيء، فيه من جمال البيان، وفيه رد الصدر على العجز من البديع، وفيه من الأمثال، وفيه من المقابلات، وفيه المطابقة وفيه… وفيه… ولكن لا شاعرية فيه. فما عسانا أن نسمي هذا النص غير نثر جميل وأي فرق بينه وبين نص ذي شاعرية إن قلنا عن الجميع نثر جميل؟ إنه سؤال يحتاج إلى تأمل حتى نأتي بجواب جامع مانع شامل.

وخلاصة القول


فليس في اعتبار الشعر النظم ذي معنى وقافية فقط، إنما الشعر إضافة إلى ذلك أحاسيس تهز أوتار القلوب وتعرب بشاعرية تبدي تلألأ الجواهر الكريمة في تلاحم وتلاطم أمواج المبنى على المعنى بين ضفتي الفن والجمال.

وتنكر الشاعرة نبيلة الخطيب مميزات شاعرية النثر، ألا يعد موقفها تطرفا ما دام موقفها ردة فعل على من يخلط بين الشعر والشاعرية؟ ولنا مساءلتها عما هو القرآن؟والله جل وعلا ينفي عليه صبغة الشعر، وطبعا إن سايرناها فيما ذهبت إليه هل نكون قد أنصفنا القرآن بقولنا نثر جميل؟ وهذه صوره تتباهى في حليها البهي{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [17] وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [18] }التكوير.

والتعريف إن لم يكن جامعا مانعا يوحي بعدم استقرار فكر صاحبه، أو بعدم استكمال الرؤية، وطبعا كان السؤال ارتجالي، والإجابة كذلك أيضا؟.

والشاعرية تلك الأنامل العازفة على أوتار العواطف والمشاعر لتسمع نبرات قيثارتها وتؤجج نارها لتضطرم في الأحشاء، أو يتولد حماسا ويتوقد، كأنما يتمطى ويستفيق من نوم عميق، وفي كلتا الحالتين ينبعث من تلك النقوش نورا يضيء الأرجاء معلنا بداية فجر جديد يبعث الأمل لدى المظلومين والمحرومين، كما يزرع شوك والقتاد في سبيل الظالمين والمفسدين.

فهل نسويها بالنثر الجميل، فقد يكون النثر جميلا بتجواله في ربى الفن والجمال، دون أن يستقي تصوراته من بحر الشاعرية؟ فهل يعي نفاة الشاعرية في النثر خطأهم، ولا يهمنا آنئذ قول قائل بأن كل تطرف لا بد أن يواجه بتطرف مثله؛ لكوننا أمة الوسطية ولا يهمنا انحراف المنحرفين فسرعان ما يحصد كل ما زرع.

وبين الشعر والشاعرية مسافة النظم والقافية والإيقاع الموسيقي فضلا عن ترابط المبنى بالمعنى في شاعرية تتناهى في عبارات قليلة، والشعر يسكن أبيات تميزه عن المقاطع، بينما الشاعرية تسرح وتمرح وتسبغ الجو عبقها في مروج الشعر وحدائق النثر، حيث تضفي عليها ألحان البلابل الموسيقى والإيقاع، التي عهدته في الشعر ولم تعهده في النثر.

ولئن جالت الشاعرية جولتها بين شارعي الفن والجمال، وهي حاملة ثقل رسالتها في صمت الكلمة المكتوبة، وغليان الماء الفوار مدغدغة العاطفة وعازفة على أوشاجها ومحركة زناد وقودها ليغوص القارئ في بحبوحة التغيير نفيا للظلم والفساد، وشدا على أيدي البناء والتشييد.
وخارج حدود الفن والجمال تتمطى ألفاظ، وتتعالى عبارات، بجرسها المؤدي أو بصوتها الخافت،؛ لكنها لن تدخل بيت الأدب، مهما بلغ طمعها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] . موقع الجمعية العربية للمترجمين http://www.wataonline.net/site/modul…hp?topic_id=99

[2] -أردنية،عضو رابطةالأدب الإسلاميالعالمية، ورئيسة أدبيات المكتب الإقليمي في الأردن، عضو رابطة الكتاب الأردنيين، وعضو اتحاد كتاب العرب…..لها ديوان ومض الخاطر 2004، وديوان عقد الروح، وديوان صلاة النار…

[3] – مجلة المشكاةالعدد 46 سنة 1426/2005ص 161.

[4] –

[5] – الوزاني ” في ميدان الشعر وعذوبته” مقال نشر بصحيفة السعادةع 7968. س 47. بتاريخ 6 أكتوبر 1950

[6]- تأملات في مفهوم الشعر

[7] –

[8] – دراسة لديوان ” النفخ في الرماد للشاعر سعد عبد الرحمن” عن موقع: www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=8687

[9] .. وحي القلم ج2 ص186 فقرة تحت عنوان الدنيا والدرهم. دار الكتاب العربي بيروت لبنان

اقرأ كذلك

معاريج الكتابة الأدبية

لا شك أن الكتابة الأدبية تستلزم أن يكون المرء : 1. ذا قلم أديب متضلع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + 1 =