إعجاز القرآن

 


مدخل : الكلام عن إعجاز القرآن

بتعاقب الأزمان، وتفتح الأذهان، ونضج فكر الإنسان بدأت تتكشف آيات قرآنية في كون الله، مصداقا لقوله تعالى :

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[فصلت : 53].

ومع مطلع القرن العشرين لما سيطرت العقلية العلمية ومناهج البحث العلمي التي رفضت الخضوع للخرافات والأضاليل التي نشرتها الكنيسة اعتز الغرب بالاكتشافات العلمية، ظنا منهم أنهم ملكوا المفتاح السحري لناموس الكون، وثار أناسهم على الكنيسة التي أخضعتهم لسلطانها وأجبرتهم لقبول إرشاداتها، وانفكوا من هيمنتها، وأقاموا في بلدانهم نظما علمانية، وتعقب المسلمون اكتشافاتهم، فمنها ما يرفضونه رفضا باتا، ومنها ما يقبلونه بتحفظ، ومنها ما يقبلونه مسلما لموافقته لما جاء به الكتاب أو السنة.

وما كان علينا أن نستكين في ذنب التبعية ونرتضيها موطنا، بل كان على من اقتحم مجالات الإعجاز التقدم إلى الصف الأمامي لرفع التحدي عاليا.

وما اقتصر خطؤهم على الرضا بالتهميش، بل تكلموا عن الإعجاز من غير رسالة، والمعجزة إن لم تصحبها دعوة ورسالة ربانية لم تبق معجزة وإنما أضحت كرامة.

انقسم المتكلمون عن الإعجاز إلى أقسام شتى : فمنهم من تكلم عن الصرفة بمعنى أن الله صرف قلوب العباد عن الإتيان بمثله، ومنهم من حصر الإعجاز في مجال البلاغة، ومنهم من تكلم عن الإعجاز العلمي، والغيبي، وصاروا الآن يتكلمون عن الإعجاز الرقمي في القرآن…

وكثرت المواقع بالأنترنت سواء منها المتخصصة، أو غير المتخصصة والتي تكتب ما يحلو لها عن الإعجاز القرآني. وبما أن غير المتخصص سعى للتحدث عن الإعجاز فقد بان وانفصم المغزى عن الهدف.

فما فائدة تضخيم القول عن الإعجاز إن لم تصحبه دعوة التمسك بالشرع نهجا ومسلكا، قلبا وقالبا ؟…

إنه لمن دواعي واجب النصح لكتاب الله تبيين منزلقات ومنعرجات تاه فيه من أذهلهم القرآن بإعجازه، فانبهروا وتكلموا عن الإعجاز القرآني بما أخذهم من إعجاب، ولم يأخذوا موضوع الإعجاز بدراسة أكاديمية علمية، حتى وإن جاءت أبحاثهم ثابتة الجذور، متلاحمة الأوصال، دقيقة التفاصيل، رائعة المبنى.

ومضى تقليد الأواخر للأوائل، فليس كل من تطاول على المجال جاء فيه بأبدع إنتاج، ومجال الكلام عن إعجاز القرآن محاط ومسيج بسياج خشية التقول على الله ؛ فكل من لم يراع الحدود وقع في المحظور، والمحظور في مجالات الاعتقاد كفر بواح وليس مجاله كمجالات الأبحاث الفقهية، حيث يضحي الحاكم المجتهد مأجورا على كل حال، سواء أكان مصيبا للصواب أو مخطئا له. – والإشارة للحاكم تعني من توفرت كل المعطيات في يده – وليس لكل من هب ودب من دارسي الاجتهاد الفقهي ؛ إذ ليس الأمر كما قال محمد إسماعيل1 بأنه ” للتشرف والاستمتاع بالنظر في كتاب الله بعين الإجلال والإعظام والإيمان بقداسته، ثم للإشادة بسموه وروعته، والتذكير بعلو مكانته بين الكتب السماوية”.

والكلام عن الإعجاز شغف كتابا، وأسال مدادا، وشغل مواقع متخصصة وغير متخصصة في الشبكة العنكبوتية. وصحيح بأن فضل الله لا يحجر ؛ إذ يوجد في النهر ما لا يوجد في البر والبحر، وتتفاوت الهمم بين الناس كما تتفاوت ملكاتهم، وسرعة نباهتهم في فهم الإشارات اللطيفة، والعبارات الدقيقة، وسرعة البداهة في ربط الأسباب بمسبباتها، الشيء الذي يمكن المرء من وضع اليد على نكت علمية جليلة القدر، عظيمة الشأن، عالية الكعب، غالية الاستنتاج، تتناغم فيه الإشارات العلمية مع الضوابط الأصولية بفهم متفتح مستنير بنور السنن الإلهية ؛ كي لا يتقول المرء على الله وعلى كلامه.

وانقسم العلماء بين مانع للكلام في تفسير آيات قرآنية باستنتاجات علمية، ومبيح لذلك ومتوقف فيه : فلا هو يبيحه بخالص الرضا مخافة فتح باب للتقول على الله وعلى كلامه، ولا هو يمنعه كل المنع لما أشكل عليه من هذا الأمر فيسد الباب سدا للذرائع، فتسد معه أبواب الاجتهاد وتتعطل المواهب، وتموت الملكات الذوقية…

وما نظر هؤلاء ولا أولئك في كتاب الله بحثا عن سند يعزز القول أو يدرؤه، وإنما انقاد فقهاؤنا بعقلية الفقيه المقاصدي ونظرية المصلحة والمفسدة، مما أطغى العقول على النصوص، فأضحت معه تابعة غير متبوعة. ولا غرو فهذا تنكب جلي عن الصراط ؛ إذ أصبح ضابط المصلحة والمفسدة هو العقل المجرد عن النصوص تحت ستار أن قواعد المقاصد كليات أو أغلبية انبثقت عن بنيان راسخ من النصوص.

وإلى جانب هذا الفهم يسقى العقل من دلو النصوص المجردة عن روحانيتها وعن تعاليمها الربانية ؛ إذ الرد إلى الله فسروه بالرد إلى كتابه، وليس ردا إلى الله وهو الحي القيوم، هل التجأنا إليه وخيبنا حتى نستدير الجنب عن بابه ؟ ويا ليتهم استنطقوا الكتاب لنطق بالحكمة وفصل الخطاب ؛ إذ كلام الجليل أسبغ الله عليه صفات التكليم

وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف : 4].

فروح القرآن تنافح عن نفسها وتدفع الشبهات، وليت من تطهرت سريرته يلمس جوهر روحه فيتعامل معها وتتعامل معه، وتفضي إليه بأسرارها، فيتنسم منها فهما جديدا قريب عهد بربه كما يقول الربانيون…

فالقرآن الكريم كتاب علم بامتياز، ولا أقول هذا جريا على التقاليد ؛ ولا أدري أيعقل أن كتابا يرفع التحدي عاليا لا يستجيب لمقومات العلم ؟ :


قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ[الأنعام : 148]،

وقوله تعالى :

قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ[الأحقاف : 23]

وقوله تعالى بصيغة التلقين :

قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الملك : 26]

وهل جاء دورنا لنتوارى عن الأنظار ونشكك في كل علم جاءوا به ؟
أم نأخذ اللواء إعلاءً لكلمة الله، ورفعا للتحدي عاليا كما رفعه القرآن إحقاقا للحق وإزهاقا للباطل ؟

إعجاز القرآن الكريم بين الخلق والأمر-

ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين [الأعراف : 54]

حتى نلمس حقيقة إعجاز القرآن الكريم بين الخلق والأمر يأبى علينا خلقنا أن نتقدم النصوص كي لا نسير على هدي من خاضوا في بيان وجوه الإعجاب بالقرآن الكريم حسب ما تأثر به كل منهم, وليس وجوه الإعجاز.

فلكم تكلم الفقهاء حول الإعجاز البلاغي، والبياني، والعلمي، والغيبي، وتأثير القرآن، والقول بصرف قلوب الناس عن معارضته، وهي كلها إشارات مهمة ووقفات لا تخلو من نكتة أدبية وفقهية، لكن الجزم بكونها الإعجاز القرآني الذي رمت إليه الآيات فهذا موطن الخلاف، وهو ما لم يسلمه بعضهم لبعض القائلين به.

نصْدُق مع الصادقين ولا يستخفنا طوق التقليد الذي قلد إعجاب الخلف بأقوال السلف ونهوا كما هو مأمور شرعا عن غيبتهم وحذروا من أكل لحومهم، وتجاوزوا الشرع بضربهم على أقوال سلفهم طوقا وهالة من التعظيم أدخلتها في منعة سرادق من لمس اللامسين، ومراجعة المراجعين، ونقد الناقدين، وقد اعتبر بعض الأصوليين أقوال الصحب الكرام حجة شرعية، وبهذا جنحوا بعيدا عن الصواب.

وإذا كان مجمل السلف ممن نكن لهم التقدير والاحترام بحفظهم لشريعة ربهم والذود عنها بما أوتوا من إمكانات وطاقات وقوة عدد وعدة ؛ فإن الحق الذي هو اسم الله ومنهاج الله ودين الله أحب إلينا من كل حبيب.

إذا لنتعصب للحق، ونسمي الأشياء بمسمياتها صحبة إحساس بأن رأينا صواب يحتمل الخطأ. ومن كان لله كان الله له. وليس بودنا الآن أن نطرق أقوال من سبقونا في الكلام عن إعجاز القرآن، إلا ما جاء به سياق الكلام، وإنما نرسم السبيل نصب أعييننا ونتوكل على الله.
فالكلام عن الإعجاز القرآني مسألة خلافية لا بد فيها من الرجوع إلى الله وإلى الرسول وإلى أهل العلم والاستنباط. والرد إلى الله يقتضي منا الضراعة بباب الكريم.

نقف بباب من تعهد ببيان ما أبهم من كتابه مصداقا لقوله :

ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة : 19].

كما نستعين به ونتوسل إليه بأسمائه الحسنى : “الله العلي الكبير” و”الله عليم حكيم” ليبين لنا ما أبهم علينا من شأن إعجاز آياته مصداقا لقوله تعالى :

) فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ( [غافر : 13- 12].

)يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( [النساء : 26].

وما يؤكد التوجه هو أن الدعاء إنابة إلى باب الرحمن، والمنيبون اختصهم الله العلي الكبير بالعبرة والذكرى.

اللهم إنا نستلهمك الصواب والرشاد والقول الفصل في مجال الإعجاز القرآني إنك أنت الله العلي الكبير، وكفى بالله عليما حكيما، وصل اللهم وسلم على حبيبنا محمد وعلى آله.
بعدها نطرح السؤال على القرآن الكريم : هل في القرآن إعجاز ؟

هل في القرآن إعجاز ؟

نجد أن الله رفع التحدي للخلق في أربعة أمور منها : الخلق وهو دخول الروح الجسد، أو الموت وهو خروجها من الجسد، ثم الأمر الذي هو تشريع الله لخلقه، وتجلى فيه التحدي إن على مستوى روحه، أو على مستوى تشريعه.

وبهذا يضحي الإعجاز متعلقا بأمرين لا ثالث لهما : الخلق والأمر. والخلق والأمر من اختصاص الله .

أولها: الخلق

أ‌- يرفع القرآن التحدي عاليا في وجه البشرية جمعاء :

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج : 3]

ويستفسر في استغراب :

هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [لقمان : 11]. قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ، بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً [فاطر : 40] ؛

قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف : 4].

ب- درء الموت

وإذا كان “الخلق تقديرا وإيجادا”2 بعد دخول الروح الجسد فالموت كناية عن خروج الروح من الجسد، والروح نفخة ربانية وهي من أمر الله ؛ إذ فعله قول : كن فيكون وهي من اختصاصه لا يشاركه فيه مشارك.

وكما تحدى الخلق بخلق ذبابة فما فوقها تحداهم أيضا بدرء الموت عن النفس :

قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران : 168].

من الأمور الكلية التي جاء بها القرآن موت الإنسان، بل وكل المخلوقات، ويبقى الدوام لله : ويقرر القرآن الكريم ضمن السنن الإلهية التي نظمت مسار الكون وسريانه :

كلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران : 185].

ولكم يخشى الإنسان تحوله من حياة إلى موت، بل أشد الناس تمسكا بحياة على أي شاكلة هم اليهود ولو كانت حياة الذلة والصغار :

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [البقرة : 96].

ولولا أن قهر الله العباد بالموت، وجعلها سنة الحياة ؛ لتكاثرت الأمم ولضاقت بهم الأرض بما رحبت :

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام : 61]

ومهما اعتصم المرء وفر من الموت ما نفعته حيلة، ولا دفع القضاء إلا الدعاء، فالموت قدر معلوم إلى أجل معلوم، ومن زعم غير ذلك فليدفع الموت عنه ولو كان في بروج مشيدة :

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً [الأحزاب : 16].

الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران : 168].

أيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [النساء : 78].

ويصور القرآن الكريم حالة نزع روح الكافر تصويرا تشهده ملائكة العذاب وهي تتوعدهم :

وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام : 93].

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج : 6].

وثانيهما : الأمر

وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [يونس : 37]

إنه نفي جازم من الله، من الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ؛ فالذي يتابع التناسق الغريب بين السنن القرآنية والتي هي أساس الوجود ليندهش أمام هذا التطابق الهائل لكل سنة على حدة ! فكيف بالسنن حين تتداخل وتتشابك ؟! فإن سنن الله تتضافر وتتآزر مع العلم بأن من سنن الله السنن الكلية والسنن الجزئية، ولا تختلف باختلاف الكتب إلا ما حرف منها، فأنى لها أن تختلف في كتاب واحد ؟

ما راعى الذين تكلموا عن الإعجاز هذا النفي فتناولوا أقوال مسيلمة وسجاح وغيرهما بالنقد والتجريح. وبعد نفي إمكانية الافتراء يأتي التحدي سافرا لا لبس فيه ولا غموض يكتنفه :

إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [23] فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [24] [البقرة].

والأمران من اختصاص الحق فلا ينازعه فيهما منازع ؛ إذ شمل تحديين إن على مستوى التشريع، وإن على مستوى الروح، والتي هي جوهر إعجاز القرآن :

أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف : 54].

أ‌- روح القرآن :

يقول الحق :

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى : 52].

فسِرُّ إعجاز القرآن هو روحه، وهو ما لم يلتفت إليه المتكلمون عن الإعجاز بالمرة.

ب‌- التحدي التشريعي :

جاء كتاب الله مهيمنا على ما قبله من الكتب، بما جاء به من هداية سبيلا اصطفاه الله دستورا للبشرية إلى أن يأخذ الأرض ومن عليها.

والمسلمون في زمن الانبهار العلمي بما أنجزته يد الغربيين استداروا وجهتهم عن كتاب ربهم الذي مكن أجدادهم من حياة العزة والسؤدد قرونا متطاولة، وأقبلوا إقبالا على المدارس الغربية ومناهجها في التعليم والتعلم. فذلوا وأذلوا وراوحوا مكانهم في العالم الثالث حيث عشش الفقر وهيمن الظلم وطغى الاستبداد وركب التبعية. فصاروا أذنابا تابعين بعد أن كان أجدادهم سادة متبوعين.

وعوض أن يرفع العلماء لواء التحدي عاليا لنصرة دين الله وإعلاء كلمته، -وهي العالية بإذن ربها-، استجابوا لدواعي الظروف الاجتماعية القاهرة وأخلدوا إلى المناصب والكراسي وانشطروا قسمين :

فأما الصادقون فصدقوا في إخلاصهم لمناصبهم واعتبروها أمانة وراعوها رعاية المشفق، وقد أخذت منهم الجهد والوقت، فإن تجاوزوها لأشغال وأعمال أخرى كانت جهودهم شكلية لضيق أفق وقتهم، ولقلة المعين، الشيء الذي كرس طوق التقليد خلفا لسلف، مما جعل منهم محامين فاشلين أمام قضية عادلة ومنصفة، وكان الأجدر بكل باحث أن يشكل خلية بحث يشرف على جهودها استكمالا لما لا يتم الواجب إلا به، ليضحي شوكة في حلق كل معاند، وسدا منيعا يقطع طمع الطامعين في النيل من الشريعة الغراء، واضعين نصب أعينهم قوله تعالى :

وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة : 217].

لم يمض عهد مقاتلة الظالمين وإنما تغيرت وسائل سلاحه ؛ فالمواجهة أصبحت مواجهة حضارية أضحت فيها الكلمة لقوة الحجة والبرهان، لتخلد العقول للتفكير الرصين، بعيدا عن كل تهييج وخفة وطيش، لا لقوة السيف والسلطان، حيث أصبح السيف وسيلة إرهاب تتسلط به الدولة على المستضعفين، ابتزازا لأموالهم وتسخيرا لرجال القمع في إذلالهم، ولم يعد سيف الدولة وسيلة لدحض الكافرين والنيل منهم ولو كانوا للأرض مستعمرين.

وأما غير الصادقين فتزينوا بالمناصب لهثا وراء سراب الدنيا والجاه والمكانة، ولم يزينوها بزينة الإيمان والمواقف الصادقة التي لا تخشى في الله لومة لائم.

مع العلم بأن التشريع الرباني جاء ليرفع التحدي في وجه كل المخالفين ولكل الأنظمة والقوانين :

وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة : 40].

وتحدى أهل الكتاب بقوله :

قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [القصص : 49]

ورفع التحدي للبشرية جمعاء :

اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف : 4].

كما بين بأن القرآن جاء مفصلا على علم هدى ورحمة :

وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف : 52].

بل ما جاء القرآن إلا ليرفع عاليا فوق كل تشريع وفوق كل دين :


إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة : 40]

وما أرسل رسوله إلا ليظهره على القوانين الوضعية السائدة في كل زمان وأوان:

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة : 33].

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً [الفتح : 28].

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف : 9].

فهل لنا من رجال أفذاذ يذودون عن الحمى بفقه منهجي علمي رصين ؟

يتبع
————-
1 – في مقدمة كتابه ” القرآن وإعجازه العلمي.

2 – الكليات لأبي البقاء، ص 29.

المصدر: http://www.tafsir.net/vb/tafsir35842/#ixzz2Piqw0hOg

اقرأ كذلك

أقسام القرآن‏

يقول الحق سبحانه وتعالى : ]وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four × 3 =