أرضية اليقين

في رحاب تلك الربى تشرق شمس المعارف الكبرى مضيئة الأرجاء بنور ربها لتجلو كل غموض وينكشف عندها كل لبس إنه رواق اليقينيات الكبرى,

نفحات تشرق صدقا وتعطر الجو برياحين المسك لينتشي الداخل نشوة تطلعه أن أرضه رحاب الملكوت الأعلى وأن سماءه لا يسمو مخلوق فوقها، فيرتشف رشفة تغنيه عن كل الشكوك والظنون وما يلتبس على المرء في غير هذا الموطن لتلفح وجهه لفحات الردى فيهوي الغرير في بحر سحيق,


نفحات صدق تملأ القلب يقينا فيرتقي معراج الدرجات اليقين العلى وينتقي أكرم المراتب في سلم التقوى ويغمره ثلج يسكب عليه سكينة وطمأنينة وراحة ضمير ، فلا سلم هناك غير درجات التقوى ومعراج اليقين,

ولفحات تلفح الوجه بصفعات توقظ النيام تهذيبا لسلوك نماذج كانت أسوة وقدوة ورمزا للطهر والتقوى,


فيا لكثرة الداخلين لهذا السوق، والمتلبسين بلباسه ؛ ويا قلة الواقفين على حكمه والاعتبار بعبره ، والتأدب بمقتضى أدب حماه وحرماته ، عمد كل منهم إلى أقوال من سلف ومن تلف في هذا السبيل وتركوا الكتاب وراءهم ظهريا.

 

وتسربل آخرون بلباس السنة المطهرة، وانزووا عن كتاب ربهم فأصابهم زلزال سياسي وانكشف زيفهم وتمسكوا عنادا بنهجهم، فلا سبيل الهدى أصابوا ولا مسارا صححوا.


وجم الفتى عند الثريا وتطلع للأنوار المتلألئة والفياضة بألوانها الزاهية ، بحبوحة نور غشيت المكان ، نظر ثم نظر ثم رمق وبصر ، ثم انحنى وانثنى وجثي على الركب وفي بحر الذلة والانكسار غرق يسأل الله من عظيم فضله ومن بحر كرمه ومنّه,


وهمس صوت رخيم : ” الاستغاثة ، الاستغاثة !!! إن رغبت في الاستجابة ” ثم غاب الصوت في بحر الأنوار وأمواجه المستنيرة بقوس قزح الألوان, سمع ووعى وحكّم الأصول : { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } ، وقال : إنها العناية الربانية ، جالت ذاكرته وتركزت على شاشة التاريخ تقرأ من هنا مر موسى و نبينا محمد عليهما السلام ، وكلمهم ربهما إرشادا وتنويرا ، وحافظت زمرة الصادقين أولي الهمم العالية والقدم الراسخ على نهج سبيلهما عكوفا على باب الله في ذلة قلب وافتقار إلى الغني الحميد فألبسهم الله عزا كنبه لنفسه ولرسوله وللمؤمنين .


مساكين رجالات التصوف ، دخلوا الحمى وتسربلوا ببراقع وخضعوا لطقوس صعبة المراس ، ولزموا الصوم والصمت وزهدوا في الطيبات ، وتدثرت ظهورهم بالركون للظالمين وما تطلعوا لضوابط شرعية أقلها رفع الحرج ، والقومة لله حين تخنس الرؤوس وتستكين لغير الله ، وهو الداء الذي منه فروا حيث أضحى وباء العصر : إنه الشرك والخشية مع الله ، أو قل هو الشرك السياسي,


هناك تشرأب أعناق الصادقين ، وتتحرى رضوان ربها وسبيل خشيته منهجا يرد ظلم الظالمين واعتداء المعتدين ، نصرة للحق الذي هو اسم الله واسم شرعه,

 

فحين نعمد إلى درب اليقين ونرى يد الله وحدها تعطي هذا وتمنع ذاك وترفع من رفعت وتضع من وضعت ، نكون قد صححنا المنظار وحاولنا قراءة وفهما لسنن الله الكونية منها والقرآنية ، حينها نقرأ كلام الله غير منفصل عن أفعاله ، ونكون أحكمنا البداية والعناية بكلام الله أولا ، نستنطقه عما غاب عن فهمنا لمجريات الأمور وتقلبات الزمن ، ونواميسه الربانية ، فلا بقوانين الكون كفرنا ولا باعتماد النصوص القرآنية ضللنا ومن هناك ننتقل إلى السنة حيث لا نقبل ما خالف سنن الله الكونية منها والقرآنية,

 

فقد عمد المحدثون إلى تطهير السنة من الكذب ، وهو أمر محمود وغفلوا الإتيان بالصدق والتصديق به ولو رواه كذاب ، ولا ردوا ما خالف سنن الله ولو رواه أصدق الصادقين ، فكيف بنا وقد منّ الله علينا ووصل لنا قول كل من نسب كلاما لرسولنا الكريم,


ومعلوم بأن علم دراية الحديث من أعوص العلوم وأغمضها فكيف السبيل لتصفية للأقوال وقد علمنا وجود من أسهبوا في الكذب عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟ لقد أنزل الله الكتاب والميزان ، فلا الأمة بالكتاب اعتنت ـ ولا بالميزان استخرجوا ضوابطه ومقاييسه,


ما تركنا القرآن هملا ، وإنما وضع الضوابط من خلال مراد الله من التشريع ، وتعهد لنا ببيان ما أبهم علينا وما بقي إلا تقصيرنا حاجزا بيننا وبين مراد الله منا كشفا لرفعة كلماته لتكون هي العليا على غيرها من الكلام ورفعا لمقام من نصر الدين,


ما وجدنا فقها يلائم العصر ولا مقتضياته ، وإنما وجدنا فقها سلطانيا يبعد الكتاب ويتولى تضليل العباد وتقتيلهم باسم الدين وقدسية كلمة الجهاد ، وحتى لا نترك فرصة لطاعن ما كان لفقه التترس في كل كتب الفقه لينضبط بضوابط الكتاب,

 

ولا وجدنا فقها عقائديا رمى نحو مطالب الكتاب وإنما اتهم مفسرونا الله جل جلاله بنسخ آيات القرآن ، وعمدوا إلى القول بعصمة كلية للرسول الكريم ومن ثم أولوا كل آيات الكتاب في الوزر والضلال وغيرها، تلك بعض أمارات الفقه السلطاني الذي يوحي بعدم الخروج على الحاكم ولا معارضته معارضة سياسية ؟؟؟ ومن جهل الفقه السلطاني نفيه تعليل أفعال من لا يسأل عما بفعل رغم بيانه جل جلاله لعلة كل فعل بيانا لحكمته وهو أحكم الحاكمين,


فهل لاح المجال للحديث عن ضرورة تجديد الفقه بعيدا عن حدس فقهاء سعوا لحماية السلطان وصد الناس عن الخروج عليهم وأمروا بالركون للظالمين وللمستولي بالسيف !!!


فالربانية نسبة للرب حيث السكينة والطمأنينة وراحة الضمير سواء في مجال التشريع أو طلب هداية الناس أو قيادتهم قيادة سياسية تمضي ومقتضيات رضوان الله ؛ وليست الربانية انزواء في الزوايا وانكماشا عن فقه الواقع ومجرياته .


فلا يمكن الانطلاق نحو رضا الله بنهج بتهم الله ويزكي الخلائق, إذ ما انبرى رسولنا الكريم للدعوة إلى الله إلا لما كان هو أول داع إلى الله تحدوه الرغبة الصادقة قي هداية العباد وهو على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه فلا يد من المصباح المنير لنرسم المحجة ونبين الطريق,

 

والموضوع يكتب في المغرب حيث ذهب الفقهاء لاستكمال الدين بالعكوف على عتبة الجنيد وعقيدة الأشعري والله جل شأنه أعلن بتمام دينه والتام لا يستكمل ، فهل أدركوا شناعة فعلهم وسوء أدبهم مع ربهم ؟


فاللهم إنك أنت العزيز الحكيم فألف اللهم قلوب علمائك لاستخراج فقه يستجيب ومقتضى تشريعك ووفقا لمنحى سننك وكفى بالله قديرا, ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصل اللهم على محمد وعلى آله وسلم تسليما,

اقرأ كذلك

العلم بالله

بسم الله الرحمان الرحيم   بركةالانتداب الرباني في الدعوة إليه   حينما تتعلق الكتابة بالذات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five × 5 =